عاشت قرية سانغيري ليم بجمهورية إفريقيا الوسطى لحظة فرح نادرة حين اصطف المقاتلون الذين كانوا ينشرون الخوف والرعب لإلقاء أسلحتهم.
وكان هؤلاء المقاتلون من ميليشيا «العودة والاستصلاح وإعادة التأهيل»، وكان منهم فتيانٌ يرتدون قمصان كرة قدم، ورجالٌ ظهر الشيب عليهم ويعتمرون قبعات صوفية، ودوت موسيقى حماسية من مكبرات الصوت، إذ وقف رجلٌ حاملاً قاذفة قنابل يدوية بجانب فتىً يحمل حفنتين من الرصاص.
وقال المواطن آدما ياوبا، أحد سكان القرية، للأمم المتحدة: ”اليوم، ألقت الجماعات المسلحة أسلحتها، وقد غيَّر ذلك كل شيء، فما هنئنا بنوم قط، بل كنا متأهبين دوماً. أما الآن، فأستطيع النوم بسلام دون قلق، ويشعر أطفالي أيضاً بالأمان، وهذا أهم شيء عندي.“
كان ذلك مدعاةً للفرح والاحتفال في دولة تعاني من صراعٍ مستعر منذ أكثر من عقدٍ من الزمان، تتنازع فيه 14 جماعةً مسلحةً على السيطرة، وقد حدث ضمن اتفاقية سلام أُبرمت في عام 2019، ويُعد أحدث إنجازٍ في عمليةٍ لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ساعدت 5,540 مقاتلاً على إلقاء أسلحتهم.
قال السيد ويلفريد سوادوغو، من بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى (المينوسكا): ”إن نزع سلاح الجماعات المسلحة يُعزز حماية المدنيين، ويجعل السكان يعيشون في بيئةٍ يسودها الأمان والاستقرار، فيمارسون أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية.“
يتولى تنفيذ البرنامج كلٌ من المينوسكا وحكومة إفريقيا الوسطى وجهاتٌ أخرى، ويقدم حوافزَ وتدريباً مهنياً للمقاتلين الراغبين في العودة إلى الحياة المدنية. ويوفر سبيلاً للمؤهلين منهم للالتحاق بالقوات المسلحة، ويساعد المجتمعات على تقبُّل المقاتلين السابقين العائدين إلى ديارهم، ويُقدِّم لهم الدعم النفسي لمعالجة الصدمات النفسية الناجمة عن الحرب.

وفي ظل تغيُّر مشهد الصراعات في إفريقيا، يعتقد المؤيدون لعملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أنها لا تزال استراتيجيةً حيويةً لإحلال السلام. ولكن يتساءل منتقدوها عما إذا كانت هذه الاستراتيجية قادرة على النجاح في بيئات يكثر فيها الانقسام والتشرذم في ظل غياب اتفاقيات السلام وتعدُّد المقاتلين النشطين في مناطق عابرة للحدود.
لا تزال استراتيجيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تتطور لمواكبة كل ذلك، ويدرك الخبراء ضرورة القيام بالمزيد من العمل. فالدكتور إبراهيم بانغورا ممارسٌ ومحاضرٌ وباحثٌ في هذا المجال في كلية فورا باي بجامعة سيراليون، وهو محرر كتابٍ بعنوان «نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين السابقين في إفريقيا».
وقال لمنبر الدفاع الإفريقي: ”لقد تطورت الحروب، وتطورت معها استراتيجيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ولا بدَّ من تعديلها بما يتناسب مع السياق الذي تُطبق فيه، فيجب أن تكون مناسبة لسياقها، وإلا فلن تحقق النتائج المرجوة منها.“
اجيلٌ ضائعب
من الجلي منذ قرون من الزمان أن المقاتلين الذين لا يفقهون سوى الحرب يحتاجون إلى من يقف إلى جانبهم ويوجههم عند عودتهم إلى الحياة المدنية. فقد كان يُقطع للجنود المسرَّحين في روما القديمة أراضٍ زراعية بعد أن لاحظ قادتهم أن الكثير منهم صاروا بلا هدف وضلوا الطريق وسلكوا طريق الجريمة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن المقاتلين السابقين إذا لم يجدوا من يساعدهم فيمكن أن يصبحوا ”جيلاً ضائعاً“”؛ جيلٌ ”يعاني من صدمات الحرب، ويُدمن الكحول والمخدرات، ويعيش في هذه الحياة على السلاح والعنف وحدهما.“
وهذا من الأسباب الرئيسية لتجدد نار الحرب في أكثر من نصف الحروب الأهلية التي تنتهي بهدنة تفاوضية.
مراحل عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج
نزع السلاح: ويشمل جمع الذخائر والأسلحة الصغيرة والمتفجرات والأسلحة الخفيفة والثقيلة وتوثيقها ومراقبتها والتخلص منها. كما يتضمن برامج لإدارة الأسلحة وتخزينها والتخلص منها.
التسريح: وهو التسريح الرسمي والمنظم للمقاتلين النشطين من القوات المسلحة أو غيرها من الجماعات. وقد يشمل في مرحلته الأولى جمع المقاتلين في مراكز مؤقتة أو حشدهم في معسكرات أو ثكنات أو تجمعات.
التأهيل: وهو عبارة عن مساعدات انتقالية قصيرة الأجل، تصل مدتها إلى عام، تُقدم للمقاتلين السابقين لتلبية احتياجاتهم الأساسية العاجلة. فكثيراً ما يعجز المقاتلون بعد التسريح عن كسب قوت يومهم أثناء حضور تدريبهم المهني. وقد يشمل التأهيل بدلات معيشة، وملابس، وخدمات طبية، وغذاء، وفرص عمل، وتعليم وتدريب قصير الأجل.
إعادة الإدماج: وهي العملية التي تُكسِب المقاتلين السابقين وضعاً مدنياً ويعملون لإعالة أنفسهم. وهي عملية اجتماعية لا وقت معلوم لنهايتها، وتحدث على مستوى المجتمع، وكثيراً ما تتطلب دعماً طويل الأجل.
كانت كولومبيا من أوائل البلدان التي بذلت في العصر الحديث جهوداً في مجال نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وذلك بعد صراع دام 10 سنواتٍ عُرف باسم «لا فيولنسا» وانتهى في عام 1957. ولكن كان نجاح برنامجها محدوداً، إذ لم يسرِّح إلا نحو 3,500 مقاتل، ورفضت بعض الجماعات المسلحة المشاركة فيه، لكنه قدم نموذجاً يصلح للتعميم.
فقد نُفذ 149 برنامجاً وعمليةً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في 54 دولة بين عامي 1953 و2020، وكان ذلك بعد إبرام اتفاقيات لوقف إطلاق النار أو اتفاقيات سلام، وأثناء نشوب الحروب. وحاولت نزع سلاح الميليشيات، والجماعات شبه العسكرية، والإرهابيين، والجيوش ذات التوجهات العرقية، وجماعات أخرى كثيرة.
وفي عام 2005، أضفت الأمم المتحدة الطابع الرسمي على نهجها بإنشاء الفريق العامل المشترك بين الوكالات المعني بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وأصبح منذ ذلك الحين من ركائز التدخل في المناطق المبتلاة بالصراع. ودأبت الأمم المتحدة على تحديث توجيهاتها، وتضم الآن نماذج الجيلين الثاني والثالث لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وهذه النماذج توسِّع نطاق البرامج لتشمل شريحة أكبر من المقاتلين، فضلاً عن تقديم الدعم اللازم لمساعدة المجتمع على تقبُّل المقاتلين المعاد إدماجهم.
ونفَّذ ثلث بلدان القارة برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وكُتب لبعضها النجاح، فقد نجحت ساحل العاج في نزع سلاح وتسريح 69,505 مقاتل بين عامي 2012 و2015، وسرَّحت ليبيريا 101,495 مقاتلاً بين عامي 2003 و2008، وسرَّحت سيراليون 71,043 مقاتلاً سابقاً على ثلاث مراحل امتدت من عام 1998 وحتى عام 2004.
ولكن حدث في القارة أيضاً بعضٌ من أكبر إخفاقات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لقد نُفذ برنامج في سبعة بلدان في منطقة البحيرات العظمى على مدار عقدٍ من الزمان، بتكلفة بلغت 500 مليون دولار أمريكي، ونجح في نزع سلاح 300,000 مقاتل، ثم نشبت أعمال العنف في أبشع صورها في بقاع مثل شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

يقول السيد أناتول أييسي، من المكتب الإقليمي للأمم المتحدة لوسط إفريقيا في الغابون، في مقالٍ له، إن إفريقيا ظلت على مدار ثلاثة عقود من الزمان بمثابة ”مختبرٍ حيِّ“ لاختبار ما ينجح وما لا ينجح في مجال نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وأضاف قائلاً: ”والحمد لله أن التفكير في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات ليس فكراً جامداً، بل يكاد يخضع للنظر والدراسة كل يوم، مع إيلاء اهتمام كبير لإصلاح ممارساته بما يتماشى مع ديناميات الصراع سريعة التغير في إفريقيا.“
مناهجٌ مبتكرة
يجري تحديث الممارسات المُثلى لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بما يتناسب مع التحديات الراهنة، والبرامج الناجحة منها عبارة عن جهدٍ يشمل المجتمع بأسره، يشارك فيه الجيش والشرطة والقيادات السياسية والمنظمات الإنسانية والجهات الاقتصادية. وتُظهر التجارب أنها تؤتي ثمارها أحسن ما يكون عندما تحدث في إطار خطة سلام أوسع، تُنفذها جهة ثالثة موثوقة، ويُخصص لها تمويلٌ كافٍ لفترة طويلة.
وأوضح بانغورا أن أنجح البرامج هي تلك غايتها تلبية الاحتياجات الخاصة بالدولة التي تُنفذ فيها.
فيقول: ”لا يوجد حلٌ سحريٌ؛ فالأمر يتوقف على القدرة على التكيف وأن تكون كل التدابير مناسبة للسياق الذي تُنفذ فيه.“
تُستخدم مناهج مبتكرة في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لتحسين فعاليتها:
الجهود المجتمعية: ومن هذه الابتكارات الحد من العنف المجتمعي، فهذه الممارسة مُطبقة في إفريقيا الوسطى، وتعمل بنهج مجتمعي شامل لإنهاء الصراعات، فتستعين ببرامج مثل التدريب المهني قصير الأجل، وتعليم القيم المدنية، ودعم المشاريع الناشئة، وغايتها تشجيع المجتمع بأسره على تحمل مسؤولية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وذكر بانغورا أن المشاريع سريعة الأثر، مثل حفر الآبار وإنشاء المدارس والعيادات الصحية التي تُحسِّن حياة المواطنين كافة، يمكن أن تساعدهم على التغلب على الخوف أو الاستياء من المقاتلين السابقين، وتصديق فكرة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج على المدى الطويل. ولا بدَّ من تطبيق العدالة الانتقالية لكي يرى أفراد المجتمع أن المقاتلين السابقين نادمون وأنهم حوسبوا على ما فعلوا.
ويقول بانغورا: ”فكل هذه الأمور تفيد، كما أن استغلال رأس المال الاجتماعي داخل المجتمعات يفيد أيضاً، فإذا اهتم رجال الدين وشيوخ القرى والقبائل وغيرهم من كبار المجتمع بهذه المشاريع، فسيسهل عليكم النجاح، أما إذا شعروا بالتهميش والنبذ، فسيرفضون المقاتلين.“
كما تحدث عن ضرورة القيام بأعمال تمهيدية مسبقة لإعداد المجتمعات قبل إعادة دمج المقاتلين السابقين فيها، إذ يرفض بعض الناس فكرة إيواء المقاتلين العائدين، بل ويهددون بحمل السلاح بأنفسهم للثأر منهم، فيقول: ”لا يمكنك الاكتفاء بإرسال المقاتلين السابقين إلى المجتمعات؛ بل لا بدَّ من التمهيد لذلك أولاً.“
التركيز على التعافي: يقول بانغورا إن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ينبغي أن تهتم بمسألة العلاج النفسي والعاطفي، إذ تشير إحدى التقديرات إلى أن %80 ممن يعانون من اضطرابات نفسية جرَّاء الصراع لا يُعالجون. ويمكن أن يكون لهذه الجروح النفسية التي لا تُداوى أثرٌ بالغٌ في استمرار دوامة العنف. فيقول: ”فهؤلاء أناسٌ مُصابون بصدمات نفسية، جروحٌ عميقة أحدثتها فيهم الحرب، فربما حملوا السلاح، لكنهم كانوا أيضاً من ضحايا المجتمع.“

يتزايد الوعي بأن هذه العملية يجب أن تكون طويلة الأمد، لا سيما مع المقاتلين الذين شاركوا في حركات أيديولوجية أو الذين حملوا السلاح منذ صغرهم. فيقول بانغورا: ”من المعتاد ألا يستمر الدعم طويلاً، إذ يذهبون، ويدربونهم لمدة ثلاثة أو ستة أشهر، ويعطونهم مبلغاً زهيداً من المال، ثم يصرفونهم ويودعونهم؛ ولا يلبث الوضع أن يعود إلى ما كان عليه في غضون أسابيع.“
نموذجٌ إفريقي: ثمة إدراك بأن البلدان الإفريقية سوف تتولى برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بنفسها في قابل الأيام والسنين، فالأمم المتحدة تُقلِّص وجودها في حفظ السلام في شتى بقاع العالم، ويبدو أن اهتمام المنظمات الدولية بدعم هذه البرامج يقل، وعسى أن يكون ذلك، كما يقول بانغورا، فرصة للممارسين الأفارقة لوضع برامج تلبي الاحتياجات والظروف الفريدة لأوطانهم.
فيقول: ”كلما أدركت هذه البلدان أنها ما عاد يسعها انتظار الأمم المتحدة، وأنها لا بدَّ أن تتولى زمام المبادرة في حل مشكلاتها بنفسها، كان ذلك خيرٌ لها. فالحلول المحلية تسهم في تعزيز الثقة والتعافي والمصالحة.“ q
تحدياتٌ جديدة
أمست برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أصعب من ذي قبل، فكثيراً ما يعمل القائمون عليها في بيئة معقدة، تضم جماعات شتى، وتخلو من إعلانات السلام، وتسودها صراعات لا تلبث أن تعبر الحدود. وفيما يلي أبرز العراقيل التي تواجه برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في القرن الحادي والعشرين.
انعدام السلام
من المستبعد أن تنتهي الصراعات الحديثة بتسوية سياسية أو اتفاق سلام، بل تستمر حالة العداء، فتعرقل برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؛ لأن المقاتلين لا يُقدِمون على نزع سلاحهم إذا شعروا بحاجتهم إلى حماية أنفسهم.
تعدُّد الأطراف
يتعامل القائمون على برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في الوقت الحاضر مع الكثير من الأطراف المعنية، كالميليشيات والإرهابيين وعصابات الجريمة المنظمة و«المخربين» الذين قد لا يكونون من أطراف الصراع أو اتفاقية السلام. ولكل جماعة دوافعها وهيكلها. وهذا التشرذم السائد في صراعات كثيرة يُصعب وضع برنامج يروق لجميع الجماعات المسلحة ويلبي مصالحها.
إقليمية الصراعات
لا تعترف الكثير من الصراعات المستعرة اليوم بالحدود، وقد يكون للجماعات المسلحة مؤيدون وحلفاءٌ في الداخل والخارج، كما يرتبط بعضها بعصابات إجرامية دولية.
العداء من المجتمعات المحلية
من الطبيعي أن يخشى المدنيون عودة المقاتلين السابقين إلى مجتمعاتهم، وقد يستاؤون من المقاتلين الذين ينتفعون ببعض المزايا بعد ما ارتكبوه من فظائع، ومن دأب المقاتلين السابقين في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أنهم يختارون بين العودة إلى مجتمعاتهم الأصلية أو البحث عن مجتمعات جديدة لا يعرفهم فيها أحدٌ من أهلها، ولكلٍ منهما عيوبه ومخاطره.
نقص التمويل وغياب الإرادة السياسية
تتسم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بأنها مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً. فمن المعهود أن مدة مرحلة نزع السلاح في البرنامج تتراوح من سنة إلى سنتين، ولكن يمكن أن تتجاوز عقداً من الزمان، ومثال ذلك أن برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في البوسنة والهرسك استمر 12 عاماً. ويمكن أن يؤدي نقص التمويل أو غياب الإرادة السياسية إلى تقويض الجهود. فيقول الدكتور إبراهيم بانغورا، وهو خبيرٌ في هذه البرامج: ”العرف أن برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عبارة عن عملية سياسية، فمصيره من النجاح والفشل رهن الاهتمام والإرادة السياسية.“
برامج نزع السلاح «تؤدي إلى الاستقرار والسلام الدائم»
حوارٌ مع السيد بيير أوباليجورو، مدير قسم نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في بعثة الأمم المتحدة بإفريقيا الوسطى
منبر الدفاع الإفريقي: ماذا يحدث بعد أن يلقي المقاتلون أسلحتهم؟
أوباليجورو: يُلحَق بعضهم بعد تسريحهم ببرامج إعادة الإدماج التي يمولها البنك الدولي، وهذه البرامج تتضمن التثقيف المدني في الشهر الأول، ثمَّ التدريب المهني في الخمسة أشهر التالية في مجالات مثل الزراعة والنجارة وغيرها من الأنشطة المدرة للدخل. كما يتلقون الدعم النفسي والاجتماعي، ويخضعون لفحص طبي، ويتسلمون مستلزماتٍ لإعادة الإدماج. وقد يُدمج بعض المؤهلين منهم في قوات الأمن الوطنية. وقد دعمنا الحكومة حتى منتصف عام 2025 في نزع سلاح أكثر من 5,600 مقاتل وتسريحهم.
منبر الدفاع الإفريقي: ما آثار إلقاء السلاح والتخلي عن القتال على المدنيين في إفريقيا الوسطى؟
أوباليجورو: لهذا عظيم الأثر، فما إن يُسلِّم المقاتلون أسلحتهم، تُفتح أبواب الانتعاش الاقتصادي، وحينها يبدأ شركاء دوليون آخرون ذوو أجندة تنموية بالإسهام شيئاً فشيئاً، وهذا شكلٌ من أشكال الإغاثة. ونحن في بعثتنا ندعم المجتمعات من خلال مشروع يُسمى «الحد من العنف المجتمعي»، يُعزز قدرة المجتمعات على الصمود، فنشيد مدارس، ونحفر آباراً، ونُنفّذ مشاريع من قبيل المال مقابل العمل. فنُمهِّد الطريق أمام شركاء آخرين لديهم موارد تنموية كبيرة ليأتوا ويُساعدوا المجتمعات على أن تعيش حياة أكثر سلماً، بعيداً عن العنف المسلح والقتل خارج نطاق القضاء.
منبر الدفاع الإفريقي: كان في إفريقيا الوسطى فيما مضى 14 جماعة مسلحة نشطة؛ فكيف يزيد ذلك من تعقيد برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؟
أوباليجورو: لا تخلو عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في إفريقيا الوسطى من التعقيد بسبب تشرذم الجماعات المسلحة، فقد وقّعت 14 جماعة على إطار عمل السلام الخاص بالاتفاق السياسي للسلام والمصالحة في إفريقيا الوسطى في عام 2019، ولكن انسحبت ثلاثٌ منها بعد ذلك، وشكّلت ما يُعرف بتحالف الوطنيين من أجل التغيير. ويتزايد التعقيد بسبب وجود فصائل غير موقعة لا تزال نشطة في مناطق التعدين والرعي. ورغم هذه التحديات، فقد انحلَّت رسمياً 11 من الـ 14 جماعة الأصلية الموقعة، كما أن عودة جماعتي «اتحاد الوطنيين الكونغوليين» و«العودة والاستصلاح وإعادة التأهيل» المسلحتين إلى الاتفاق السياسي قد أنعشت جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وتماشياً مع تكليفها، فقد زادت المينوسكا [بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى] من دعمها لسلطات إفريقيا الوسطى لتنفيذ عمليات نزع السلاح والتسريح في مناطق عدة. وجاري التخطيط لنحو ثماني عمليات قبل الانتخابات [المقرر إجراؤها في كانون الأول/ديسمبر 2025].
منبر الدفاع الإفريقي: عند إجراء برنامجٍ لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، كيف تُحدِّدون مدى نجاحه؟
أوباليجورو: تسير هذه العملية بمقتضى السياسة، فتارةً تطول، وأخرى تقصر، وكل ذلك مرهونٌ بالإرادة السياسية. ويُقاس النجاح باستدامة تسريح وإعادة إدماج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية أو المؤسسات الوطنية دون أن يعودوا إلى العنف. ومن أبرز المؤشرات على ذلك تحسُّن أمن المجتمعات الأشد تضرراً من الجماعات المسلحة، والحد من العنف المسلح، والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، والأهم من ذلك كله، تقبُّلهم في المجتمعات التي تستقبلهم.
منبر الدفاع الإفريقي: عندما تتحدث عن المجتمعات المضيفة، فمن الطبيعي أن يشعر بعض المدنيين بالقلق والمقاومة لعودة المقاتلين السابقين؛ فما التدابير الواجب اتخاذها لمساعدة هذه العملية؟
أوباليجورو: هذه عملية معقدة، فلا غنى عن مشروعات «الحد من العنف المجتمعي» لأن هدفها هو تعزيز تقبلهم في المجتمع، وتشمل إعادة بناء المدارس والمراكز الصحية وحفر الآبار، وكذلك تشجيع الحوار والأنشطة الاقتصادية المشتركة. وقد أدت هذه المشروعات في بلدة سام أوانجا، على سبيل المثال، إلى الحد من تداول الأسلحة وعودة النشاط الزراعي. فإذا زرتها اليوم، سترى أنها تعيش في نهضة، وقد تحسنت فيها التجارة بفضل إصلاح الطرق. فهذه المبادرات تساعد المجتمعات على رؤية فوائد ملموسة والحد من وصمة العار التي تلاحق المقاتلين السابقين العائدين.
منبر الدفاع الإفريقي: أُجريت عمليةٌ لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في ثلثي البلدان الإفريقية في مرحلة ما من تاريخها؛ فهل توجد أمثلة من التاريخ الحديث على نجاح هذه العملية وأهميتها في إنهاء الصراعات؟
أوباليجورو: نجحت عدة بلدان إفريقية في تنفيذ برامجٍ لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. ومثال ذلك أن ليبيريا نزعت سلاح أكثر من 100,000 مقاتل بعد الحرب الأهلية، وأعادت رواندا دمج الأطفال المجندين من خلال ما يُعرف بمدارس كادوغو، وربطت سيراليون بين نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وبين المصالحة الوطنية وتوظيف الشباب، ويسير برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في جمهورية إفريقيا الوسطى على نفس الخطى، إذ نجح في نزع سلاح وتسريح وإعادة إدماج آلاف المقاتلين، يعيشون الآن حياة كريمة.
منبر الدفاع الإفريقي: ماذا تستطيع برأيك برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن تقدمه لجمهورية إفريقيا الوسطى في قابل الأيام والسنين، وما ثمارها على المدى البعيد؟
أوباليجورو: إن برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إذا نجح في جمهورية إفريقيا الوسطى، فلسوف يمكِّن حكومتها من استعادة السيطرة على أراضيها، ومن الحد من العنف وفتح ممرات التجارة والزراعة، وممرات الرعي، ولسوف يرسي الأساس للتعافي الاقتصادي والحكم اللامركزي. وعلاوة على ذلك، ومع تمديد تكليف المينوسكا حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، يُعد برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ركيزة من ركائز استراتيجية السلام والتنمية في جمهورية إفريقيا الوسطى. وأرى أن نجاح برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يؤدي إلى تحقيق الاستقرار والسلام الدائم في جمهورية إفريقيا الوسطى.

