كان للمسيَّرات المسلحة دورٌ بارزٌ في الهجمات الأربعة المتزامنة التي شنَّها متطرفو ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا) على القوات المسلحة النيجيرية في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025.
استهدفوا فيها مواقع في بلدات ديكوا وغاجيبو ومافا وكاتاركو، وأسفرت عن مقتل خمسة جنودٍ، وإضرام النار في قاعدة عسكرية.
ولكن تمكن الجنود النيجيريون من صدِّهم، وقتلوا 50 داعشياً، ولكن أظهر هذا الهجوم كيف صارت المسيَّرات ركناً من أركان العمليات الإرهابية التي تُنفذ في إفريقيا.
أنفقت الحكومات الإفريقية ملايين الدولارات على شراء مسيَّرات عسكرية متطورة، مثل مسيَّرتي «بيرقدار تي بي 2» و«آقنجي» التركيتين، ولكن أنفقت الجماعات الإرهابية مبالغ أقل منها بكثير على مسيَّرات رباعية المراوح (كوادكوبتر) متوفرة في الأسواق، يسهل تجهيزها بالمتفجرات، فتتحول إلى عبوات ناسفة محلية الصُنع تحلق في جو السماء. وتُستخدم المسيَّرات الرباعية في استهداف القوات الحكومية في كلٍ من بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا والصومال. ويقول خبراءٌ إن الثغرات الحدودية والروابط العائلية أو العرقية في المنطقة تُسهِّل انتقال التكنولوجيا والمعرفة التقنية التي تقوم عليها العمليات الإرهابية التي تُنفذ بالمسيَّرات.
وقد تسارعت وتيرة الهجوم بالمسيَّرات بشدة منذ أن شنَّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أول هجوم لها بالمسيَّرات الانتحارية في عام 2023، وجعلت من الهجوم بالمسيَّرات الانتحارية ركيزة من ركائز استراتيجيتها القتالية، إذ شنَّت العشرات منها على أهداف مدنية وعسكرية في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
وكشف مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد في المغرب أن أكثر من 30 هجوماً بالمسيَّرات قد وقعت في منطقة الساحل في الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر 2023 وحتى حزيران/يونيو 2025، غالبيتها (%82) بين شهري آذار/مارس وحزيران/يونيو 2025. ومنها هجوم شنَّته جماعة نصرة الإسلام على قاعدة عسكرية مالية في بولقيسي، أسفر عن مقتل ما يزيد على 100 جندي.
وكلما اعتمدت الجماعات الإرهابية على المسيَّرات لشن هجمات انتحارية على المواقع البرية، جنبت مقاتليها خطر الاشتباكات المباشرة مع القوات العسكرية. وعلى إثر ذلك كما يقول السيد جون صنداي أوجو، الزميل الباحث في معهد الأمن والشؤون العالمية، أن الاستراتيجيات القائمة على المسيَّرات، ولا تزال تتشكل في منطقة الساحل، قد تتنبأ بمعارك مستقبلية.
وقال لمنبر الدفاع الإفريقي: ”نجحت الكثير من الهجمات الأخيرة بفضل استفادة داعش غرب إفريقيا من المسيَّرات، فنحن مقبلون في تلك المنطقة على بيئة لن تقوى فيها المعارك البرية على كبح جماح الإرهاب، بل ستكون ضرباً من ضروب الحرب عن بُعد بحيث يحقق الإرهابيون مآربهم دون أي عناء.“

ظاهرةٌ عالمية
كان للقوات الأوكرانية قصب السبق في نشر المسيَّرات المدنية، المسلحة منها وغير المسلحة، لضرب القوات الروسية الغازية.
وقال المحلل نيكولا ميلنز لمنبر الدفاع الإفريقي: ”مثلهم في الجسارة والمشاكسة كمثل من يصنعون هذه المسيَّرات في مرائبهم في أوكرانيا.“ وقد شارك ميلنز في إعداد دراسة نشرها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد.
وقال السيد دون راسلر، من مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، لمنبر الدفاع الإفريقي، إن أوكرانيا وإذ تستخدم مسيَّرات متوفرة للجميع لصد القوات الروسية الغازية، تراقبها جماعاتٌ في شتى بقاع العالم، وقد تحاول أن تحذو حذوها.
وقال: ”فالصراع في أوكرانيا من أبرز مختبرات التعلم.“
ابتكاراتٌ محلية
في الصومال، اعترضت سلطات بونتلاند في عام 2024 خمس مسيَّرات تجارية مسلحة، أرسلها الحوثيون في اليمن إلى الإرهابيين في الصومال.
ولا تزال حركة الشباب تستخدم المسيَّرات للقيام بمهام الاستطلاع في المقام الأول، لكن غريمتها في الشمال، وهي ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (داعش الصومال)، تستخدمها في قتال القوات الإقليمية.
وقالت المحللة كلارا بروكارت، من مركز صوفان، لمنبر الدفاع الإفريقي: ”يُعد داعش الصومال من الجماعات المثيرة للقلق؛ فلديهم الموارد، وأصبحوا قِبلة للمقاتلين الأجانب، ويجندون بناءً على حاجتهم إلى المهارات.“
ويرى راسلر أن تنامي العلاقة بين حركة الشباب والمتمردين الحوثيين في اليمن يثير بواعث القلق أيضاً، فالحوثيون دائبون على زيادة مدى مسيَّراتهم الانتحارية التجارية.
وقال: ”يسعى الحوثيون منذ حين إلى حيازة أشكال فريدة من التكنولوجيا وتجربتها، مثل خلايا وقود الهيدروجين، وهذه علامات إنذار لما قد تؤول إليه الصراعات في منطقة الساحل.“
وفي مالي، يبدو أن جبهة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد يسيران على نفس الدرب في تبادل المعرفة، فقد انتقل العقيد حسين غلام في منتصف عام 2024 من جبهة تحرير أزواد إلى جبهة نصرة الإسلام، وما لبث أن ارتبط اسمه بضربة جوية نفذتها جبهة نصرة الإسلام بالمسيَّرات في أيَّار/مايو 2025 في ديورا، أسفرت عن مقتل 41 جندياً مالياً.

فيقول ميلنز في الدراسة التي أعدها مع رضا الياموري في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد: ”لا يمكننا أن نؤكد وجود تنسيق مباشر بين الجماعتين، إلا أن التوقيت والتداخل الجغرافي ينمان عن إمكانية تبادل المعرفة أو تعلم كلٌ منهما من الآخر بطريق الملاحظة.“
ويقول محللون إن جماعة نصرة الإسلام وغيرها من الجماعات الإرهابية في إفريقيا لم تكد تحصل على أي مساعدة من تنظيمَي القاعدة أو داعش الرئيسيين، إذ يتعرَّضان لضغوط هائلة من حكومات البلدان التي يتمركزان فيها.
قال راسلر عن ابتكارات المتطرفين الأفارقة في مجال المسيَّرات: ”معظمها محلية الصُنع، فلا حاجة بهم إلى انتظار التوجيهات من تنظيم داعش الرئيسي، بل يكفيهم تصفح اليوتيوب أو الإنستغرام لجمع معلومات عما يجري في أوكرانيا.“
والذكاء الاصطناعي المنتشر كالنار في الهشيم يمكن أن يسهل على المتطرفين تسليح المسيَّرات المتوفرة للجميع.
فقال ميلنز: ”فهنا يُغيِّر الذكاء الاصطناعي كل شيء، فلا حاجة لك لأن تكون خبيراً تقنياً، بل حسبك أن تستخدم الذكاء الاصطناعي ليعلمك كيفية استخدامه.“
استخدمت الجماعات الإرهابية في بعض الهجمات الأخيرة مسيَّرات تعمل بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد مواقع أهدافها ومهاجمتها دون تدخل بشري. ولا يمكن التشويش على ما يُسمى بالمسيَّرات غير المتصلة بالإنترنت أو إعادة توجيهها مثلما يحدث مع المسيَّرات التي يُسيرها العنصر البشري، مما يُصعّب التصدي لها.
فيقول ميلنز والياموري: ”إذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تظهر تكيفات أخرى بمرور الوقت، مثل زيادة الاستقلالية في المسيَّرات أو اتساع نطاق التنسيق.“
وهنالك جانبٌ من جوانب حرب المسيَّرات لا يزال حتى الآن بعيد المنال عن المتطرفين والجيوش؛ وهو أسراب المسيَّرات. فالقلق يساور الخبراء من أن تتمكن جماعة نصرة الإسلام، أو داعش غرب إفريقيا، أو غيرهما من الجماعات الإرهابية، من شن هجوم موسَّع على أحد المجتمعات أو المواقع العسكرية باستخدام عشرات المسيَّرات ذاتية التوجيه والمنسقة بالذكاء الاصطناعي.
ويقول راسلر: ”فهذا مجالٌ يستدعي الحذر.“

تكلفة عدم التكافؤ
يقول أوجو إن الجيوش في منطقة الساحل تنفق أموالها على أحدث التقنيات، مثل مسيَّرات «بيرقدار تي بي 2»، ولكن ليس لديها آلية عملياتية محددة لمكافحة المسيَّرات التي تستخدمها الجماعات الإرهابية.
وقالت بروكارت لمنبر الدفاع الإفريقي: ”تكلفة عدم التكافؤ في حرب المسيَّرات باهظةٌ للغاية، فالحكومات تُنفق الملايين على أنظمةٍ يسهل التغلب عليها.“
ومثال ذلك أن الجيوش التي تستخدم أجهزة تشويش، مثل منظومة «سكاي وايبر» الليتوانية المضادة للمسيَّرات، لتعطيل الإشارة بين المسيَّرة ومشغلها، يمكن أن يتغلب عليها متطرفون يستخدمون مسيَّرات تعمل بأنظمة ذكاء اصطناعي غير متصلة بالإنترنت.
كما يمكن التغلب على تقنية التشويش باستخدام مسيَّرات مزودة بكابلات ألياف بصرية طويلة، وهي من التقنيات التي شاعت في أوكرانيا، لكنها لم تُجرَّب بعدُ في منطقة الساحل أو الصومال.
ويقول راسلر: ”وهذا تطورٌ مرعب يجب ألا نفتر عن مراقبته.“
وأخيراً، يقول مراقبون إن الجماعات الإرهابية كلما نهضت بقدراتها في مجال المسيَّرات، تفوقت على الجيوش المكلفة بكبح جماحها. ولم تفلح الجهود المباشرة التي تبذلها الجيوش لتعطيل المسيَّرات في ساحة المعركة أو لحرمان المدنيين منها، فصارت في حالة تأهب منها.
ومن المحتمل أن يصعب على الحكومات مواكبة ابتكارات الإرهابيين في مجال المسيَّرات بسبب التطور السريع لتقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد.
فيقول ميلنز: ”تتفوق هذه الجماعات عليها [أي الجيوش] في الوقت الراهن بفضل مسيَّراتها التجارية الرخيصة جداً، ومحلية الصُنع، وسهلة التعديل، كما أنها تتطور على جناح السرعة.“
