كان حرم «الأكاديمية الدولية لمكافحة الإرهاب» في جاكفيل بساحل العاج يبدو وكأنه مشهدٌ من أفلام الإثارة والحركة، فقد وقف على الأرض صفوفٌ من المركبات المدرعة، وحلقت في السماء أسرابٌ من المسيَّرات في عملية بحث شديدة التنسيق للبحث عن المتمردين المهاجمين.
ففي 30 نيسان/أبريل، أجرت قوات غرب إفريقيا وشركاؤها الدوليون عرضاً قتالياً مبهراً، اختبروا فيه الدروس المستفادة، واختتموا فعاليات تمرين «فلينتلوك». كما تجلى الهدف من ذلك التدريب الذي استمر على مدار أسبوعين؛ وذلك لأن خطر الجماعات الإرهابية القوية والآخذة في الزحف والتوسع صار واضحاً كالشمس في كبد السماء في المنطقة.
قال اللواء علي ديم، نائب رئيس أركان القوات المسلحة لساحل العاج، في حفل الختام الذي أُقيم يوم 30 نيسان/أبريل: ”لا تعترف التهديدات الإرهابية بالحدود، ولا يمكن احتواؤها إلا بالإرادة المشتركة، فلا بدَّ من اتخاذ القرار حين يسود اللبس والغموض؛ ولا بدَّ من الوضوح حين يستتر الخطر، ولا بدَّ من توحيد الصف حين يريد العدو الفرقة والانقسام.“
شارك نحو 1,500 جنديٍ من أكثر من 30 دولة في النسخة الـ 21 من تمرين «فلينتلوك»، وجرت فعاليات التمرين في مواقع تدريب في ساحل العاج وليبيا في الفترة من 14 إلى 30 نيسان/أبريل. انطلقت النسخة الأولى من تمرين «فلينتلوك» في عام 2005، ويُعد أكبر تمرين سنوي للعمليات الخاصة تجريه القيادة العسكرية الأمريكية لقارة إفريقيا.
صرَّح اللواء كلود تيودور، قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية بإفريقيا، بأن تمرين «فلينتلوك» اهتم برفع مستوى التوافق العملياتي والنهوض بالقدرات الفنية لمكافحة الشبكات الإرهابية في غرب إفريقيا.
وقال في الحفل الختامي: ”يوجه تمرين «فلينتلوك» رسالة واضحة لكل من يسعى إلى زعزعة استقرار هذه المنطقة: فشبكتنا الموحدة أعظم ميزة غير متناظرة نتمتع بها، فهي قائمة على القيم المشتركة والاحترام المتبادل وسيادة القانون.“
وصرَّح الفريق جون برينان، نائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية لقارة إفريقيا، بأن الهدف من التمرين يكمن في”تعزيز الروابط بين جميع المشاركين والتأكيد على التزامهم المشترك بمكافحة الإرهاب الإقليمي.“
فقد سيطرت الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيمي داعش والقاعدة على مساحات شاسعة من منطقة الساحل، واستغلت سهولة اختراق الحدود، وسعت إلى التوسع جنوباً نحو الدول الساحلية من غرب إفريقيا.
قادت ساحل العاج، وهي من البلدان الرائدة في نشر الأمن في غرب إفريقيا، عملياتٍ أدارها مقر قيادة وسيطرة في جاكفيل، قام بتوجيه وحدات عمليات التمرين الخاصة لتحقيق الأهداف التكتيكية.
وكان العرض القتالي الذي أُجري يوم 28 نيسان/أبريل تتويجاً لأيام التدريب النظري، وركز على التكتيكات والتنسيق مع أجهزة إنفاذ القانون المحلية. ومن الموضوعات النظرية الأخرى التي طُبقت على أرض الميدان: إجراءات نقاط التفتيش، وتدريبات الفنون القتالية، والتدريب على الرماية، وعمليات المسيَّرات الصغيرة، وعمليات المركبات.
وقال أحد المخططين لتمرين «فلينتلوك 26»: ”ومن أهداف التمرين هو دمج عملية التخطيط العملياتي الشامل متعدد الجنسيات في وحدات القيادة والسيطرة اللامركزية، وهو من الأمور التي تدربنا عليها في المحاضرات النظرية للتأكد من جاهزيتهم عند الانتقال إلى السيناريو العملي؛ فتشكيل هذا الفهم المشترك بين القوات متعددة الجنسيات من الجوانب بالغة الأهمية، إذ سيعزز تبادل المعلومات اللازم بين وحدات القيادة والسيطرة العابرة للحدود في المحاكاة لتحقيق النتائج المرجوة.“
جرت فعاليات التدريب في مواقع محددة وحولها في ساحل العاج، وطُلب من الوحدات استغلال مهاراتها الفردية لتنفيذ مهامها ضمن فرق العمل. وركزت المرحلة الميدانية من تمرين «فلينتلوك 26» على التنسيق بين القوات الشريكة، والتوافق العملياتي، والجاهزية الجماعية.
قال أحد عناصر إدارة الزوارق الخاصة التابعة للبحرية النيجيرية: ”كان ذلك فرصة رائعة للتعلم من البلدان الأخرى؛ إذ تُعقد دائماً جلسة لاستخلاص المعلومات بعد كل فعالية، نسمع خلالها ملاحظات وتُتاح لنا الفرصة لتبادل الخبرات والمعارف.“
أشاد القادة العسكريون الأفارقة الذين حضروا بالتمرين الميداني المتكامل والقوات متعددة الجنسيات التي عملت مع بعضها البعض في محاكاةٍ لإحدى المهام المعقدة. وجمع المشاركون في التمرين بين التخصصات التكتيكية واستعرضوا قدرتهم المتميزة في تنسيق التحركات، والتواصل الفعال، والتعامل مع التهديدات الأمنية المتغيرة.
وقال ديم: ”وبعيداً عن سيناريوهات التدريب، فالأهم من ذلك أن تمرين «فلينتلوك» عزَّز أصلاً استراتيجياً لا يُعوَّض، وهو الثقة بين القوات المشاركة. فالمعارف المكتسبة هنا يجب ألا تقتصر على تقارير المهام، بل يجب أن تُعمَّم في وحداتنا، وتُثري عقائدنا العسكرية، وتنهض بقدراتنا، بحيث يعود كل جهد بالنفع على العمليات، ويُسهم كل درس مستفاد في إنقاذ الأرواح، وتتحول كل رابطة أخوية إلى تنسيق أكثر فعالية في خدمة شعوبنا.“
