استثمرت الصين 50 مليار دولار أمريكي في البنية التحتية للموانئ الإفريقية منذ عام 2013، وقامت بتمويل أو تولت إنشاء أو تشغيل أو امتلكت حصة في ما يُقدَّر بنحو 78 ميناءً تجارياً في 32 دولة إفريقية. وتمتد هذه الاستثمارات من البحر المتوسط إلى المحيطين الأطلسي والهندي، وتحدث في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتشمل تطوير الموانئ ورفع كفاءة خطوط سكك الحديد والمناطق الصناعية.
فساهم ذلك في زيادة التجارة القارية مع الصين، ولكن حذَّر محللون من أن تراكم الديون جرَّاء الصفقات المشبوهة يُهدد السيادة الإفريقية، ومن المحتمل أن تستغل بكين استثماراتها في الأغراض العسكرية وجمع المعلومات الاستخبارية.
وتستكثر الموانئ الإفريقية من الاعتماد على أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي الصينية التي تتطلب التزامات مالية مستمرة للإبقاء عليها. ويرى السيد بول نانتوليا، الباحث في مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن فرط الاعتماد على الدعم الفني الصيني يمكن أن يُكلِّف البلدان الإفريقية مليارات الدولارات على تتابع الأيام والسنين.
فكتب يقول: ”أُثيرت في بعض الحالات مخاوفٌ من أن تسطير الشركات الصينية على بنية تحتية تتميز بأهميتها الاستراتيجية من خلال المشاركة في رأس المال، أو عقود الإيجار طويلة الأجل، أو اتفاقيات الإدارة التشغيلية. ولا تزول هذه المخاوف بسبب عدم الاطلاع على الاتفاقيات وضعف الرقابة.“
تُعد سكة الحديد القياسية التي أنشأتها الصين في كينيا مثالاً على فشل صفقات البنية التحتية الصينية، إذ كان من المفترض لها أن تكون نعمة اقتصادية لشرق إفريقيا، إذ تمتد من مومباسا ونيروبي حتى تصل إلى أوغندا، وكان يُخطط لربطها ببوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وجنوب السودان. لكنها تنتهي الآن دون جدوى في حقل ذرة على بُعد 468 كيلومتراً من الحدود الأوغندية.
تنفق كينيا أكثر من مليار دولار سنوياً في المتوسط لخدمة ديونها للصين بسبب سكة الحديد، وكشفت السيدة نانسي غاثونغو، رئيسة الجهاز المركزي الكيني للمحاسبات، أن بنك الصين للاستيراد والتصدير يُعد أكبر جهة تستأثر بديون كينيا الخارجية، إذ تدين له بقروض بقيمة 741 مليون دولار، وفوائد بقيمة 222 مليون دولار، وغرامات بقيمة 41 مليون دولار للسنة المالية 2025-2026.
وخلص تحليل أجرته صحيفة «إيطاليا نيل فوتورو» الرقمية الإيطالية إلى أن الصين ربما تستخدم الموانئ الإفريقية لأغراض عسكرية. فقد قامت البحرية الصينية في عامي 2024 و2025 بما لا يقل عن 15 زيارة لموانئ إفريقية، وهذا أكبر من زياراتها من قبل، وشملت هذه الزيارات موانئ في ساحل العاج وكينيا وجمهورية الكونغو وجنوب إفريقيا.
وهنالك مثالٌ حديث على قيام الصين بإنشاء ميناء إفريقي لأغراض تجارية في ظاهرها، وعسكرية في باطنها. فقد افتُتح ميناء دوراليه الذي أنشأته الصين في جيبوتي في أيَّار/مايو 2017، وبعد ذلك بشهرين، احتفل لفيفٌ من كبار الشخصيات الجيبوتية والصينية بإنشاء أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج، على بُعد بضع دقائق من الميناء، وقد بُنيت هذه القاعدة لصالح القوات المسلحة الصينية، ويُقال إن رصيفاً واحداً على الأقل من أرصفة الميناء مخصصٌ لها دون سواها.
وأفادت صحيفة «إيطاليا نيل فوتورو» أن الميناء يقع على بُعد 8 كيلومترات من أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في الخارج، ومنشآت قوات الدفاع الذاتي اليابانية، ومعسكر ليمونيه الأمريكي، وزاد منذ عام 2017 من طاقته الاستيعابية لاستقبال المدمرات والفرقاطات، وربما حاملات الطائرات، وتوسعت حاميته الدائمة لتستوعب أكثر من 3,000 فرد. وحذَّر السيد بينو موسولينو، الخبير في هيئات الموانئ، في مقاله في الصحيفة، من أن تركز الوجود العسكري في جيبوتي وحولها يمكن أن يحوِّل منطقة القرن الإفريقي إلى ”ساحة صراع بين القوى العظمى.“
ويقول: ”تتسبب هذه العسكرة في تعقيد الاستقرار الإقليمي وقدرة إفريقيا على إدارة أمنها.“
ومن المواقع الأخرى التي ذكر موسولينو أنها يمكن أن تُستخدم لأغراض تجارية وعسكرية: والفيس باي بناميبيا، وجزيرة تين كان في نيجيريا، وناكالا بموزمبيق، وفيكتوريا بسيشيل.
تتسبب قضية الصيد غير القانوني دون إبلاغ ودون تنظيم في ارتباط الصين بالموانئ الإفريقية، إذ تعمل السفن الصينية بطرق غير قانونية في المياه الإفريقية منذ عقودٍ من الزمان، ويفيد مؤشر مخاطر الصيد غير القانوني أن الصين تمتلك أكبر أسطول في العالم للصيد في أعالي البحار، وأنها أسوأ دولة في العالم تنخرط في ممارسات الصيد غير القانوني. وتخسر غرب إفريقيا وحدها ما يُقدَّر بنحو 9.4 مليار دولار أمريكي سنوياً، وتُعتبر بؤرة الصيد غير القانوني على مستوى العالم، وذلك بسبب الصيد الجائر الصيني غير القانوني في المقام الأول.
وناهيك عن الاستثمارات الصينية في البنية التحتية للموانئ، تشجع بكين على العمل بالممارسات والمعايير وإرشادات السياسات الصينية، إذ تحاول أن تجعل شركاءها يعتمدون على الأنظمة الصينية أكثر من الغربية. ومن الأمثلة التي ذكرها نانتوليا نموذج التنمية الحضرية والاقتصادية «الميناء-المتنزه-المدينة» الذي تروج له مجموعة «تشاينا ميرشانتس» في الخارج، وهي من الشركات التي لها مشاريع في كلٍ من جيبوتي ومصر والمغرب ونيجيريا وتنزانيا وتوغو. ويوفر هذا النموذج تمويلاً مرناً واستثماراتٍ كبيرة بدعم حكومي.
لكن الواقع كما يقول نانتوليا ”أن تطبيق هذا النموذج خارج الصين لا يزال صعباً بسبب تباين الهيكل الاقتصادي، وتدخل الدولة في الاقتصاد، وسلاسل الإمداد.“
