تُصدِّر الصين تقنيات المراقبة إلى البلدان الإفريقية، ويقول خبراءٌ إن هذه التقنيات مُصممة لمراقبة السكان والسيطرة عليهم، ولا تكاد توجد رقابة عليها، ولا مبالاة بخصوصية المواطنين وأمنهم، ولا اكتراث بحقوق الإنسان.
درس «معهد دراسات التنمية» 11 دولة إفريقية وضعت آلاف الكاميرات الصينية في الأماكن العامة، وخلص إلى أن هذه التكنولوجيا باتت خطراً جسيماً على الحرية ومعولاً من معاول الاستبداد الرقمي.
نشر الفريق البحثي النتائج التي انتهى إليها يوم 12 آذار/مارس، وكان برئاسة كلٍ من السيد توني روبرتس، الزميل الباحث في المجالات الرقمية بالمعهد، والسيد وايرغلا وكابي، المدير التنفيذي لتنسيقية السياسة الدولية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لشرق إفريقيا وجنوبها في أوغندا. ويُشير بحثهم إلى أن الغاية الأولى للبلدان الإفريقية من استخدام أنظمة المراقبة الصينية تكمن في مراقبة النشطاء وقمع المعارضة السياسية لا الحد من الجريمة.
وقال روبرتس لمجلة «جون أفريك» في مقالٍ نُشر يوم 28 أيَّار/مايو: ”توصل الباحثون من دراسة 11 دولة إفريقية فقط إلى عقودٍ متعلقة بالمراقبة تقارب قيمتها مليارَي دولار أمريكي؛ وبذلك يمكن أن يصل حجم هذه السوق في أرجاء القارة إلى 10 مليارات دولار.“
وقال إن البحث الذي أجرته مجموعته كشف عن مخاوف أخلاقية جسيمة في تلك البلدان، وهي الجزائر ومصر وكينيا وموريشيوس وموزمبيق ونيجيريا ورواندا والسنغال وأوغندا وزامبيا وزيمبابوي.
فيقول: ”جرى العرف على تقديم هذه المشاريع على أنها تخدم المصلحة العامة، مثل مكافحة الجريمة وتخفيف الازدحام المروري، لكننا لم نلحظ أي جهد لقياس فعاليتها في أي دولة.“
وذكر التقرير أن إفريقيا من دأبها أنها تشتري ما يتراوح من 2,000 إلى 5,000 كاميرا ذكية. تستطيع بفضل الذكاء الاصطناعي استهداف المواطنين ومراقبتهم من مركز تحكم، تندمج فيه شبكات بيانات مركزية ضخمة، وهو ما تُطلق عليه شركات التكنولوجيا الصينية مثل «هواوي» و«زد تي إي» اسم «عقل المدينة».
إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي باستخدام برامج التعرف على الوجوه أن يربط على الفور بين الصور التي تلتقطها الكاميرات وبين قواعد البيانات مثل سجلات الهوية، والملفات الإدارية، ورخص القيادة، والسجلات الهاتفية. ويحذر خبراءٌ من أن هذه الأنظمة الرقمية المتطورة قادرة على مراقبة أنشطة المواطنين وتجميعها وتحليلها دون توقف، بهدف التنبؤ بالسلوكيات التي تعتبرها السلطات مشبوهة ومنعها ومعاقبة مرتكبيها.
ولكن ذكر تقرير المعهد أن جميع الـ 11 دولة التي شملتها الدراسة ”لا يوجد فيها حالياً آلياتٌ كافية لتعويض المواطنين أو إنصافهم عند حدوث أخطاء أو إساءة استخدام بسبب أنظمة المراقبة الذكية.“
يرى الدكتور بوليلاني جيلي، وهو خبيرٌ رقميٌ في جامعة جورجتاون، أجرى بحوثاً في صادرات الصين التكنولوجية للبلدان الإفريقية، أن أنظمة المراقبة الآخذة في الانتشار ليست سوى جزءٌ من مختلف أدوات التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها الصين. فقد هيمنت الصين على هذا القطاع في القارة منذ عام 2015، حين أطلقت مبادرة «طريق الحرير الرقمي»، وهي امتدادٌ لمبادرة الحزام والطريق.
وقال جيلي لمجلة «جون أفريك»: ”تتسم البنية التحتية الصينية بأنها إنما تُستخدم لمراقبة المناطق الحضرية، ولا تكتفي الصين ببيع الكاميرات، بل تقدم حزماً متكاملة تجمع بين القروض والبنية التحتية والتدريب والمساعدة الفنية.“
يقول خبراءٌ إن الحكومات الإفريقية التي تواجه عجزاً في الموازنة هي أكثر من يُقبل على الأنظمة الصينية، فقد ذكرت دراسة المعهد أن البنوك الصينية الخاصة تموِّل إنشاء البنية التحتية الرقمية الخاصة لهذه الحكومات وصيانتها.
وذكرت أن نيجيريا هي أكثر من أنفق على تكنولوجيا المراقبة الصينية (أكثر من 470 مليون دولار) وأكبر من يمتلك شبكة من الكاميرات الذكية بين الـ 11 دولة التي تناولتها الدراسة. ووقَّع المجلس الانتقالي في غينيا أحدث اتفاقية يوم 13 آذار/مارس بقيمة 56 مليون دولار.
ويقول معدو الدراسة: ”هذه القروض الضخمة مشروطة بشراء التكنولوجيا والخدمات الصينية اللازمة لبناء أنظمة «المدينة الآمنة» ونقلها.“
وضربوا المثل بجمهورية الكونغو، إذ انتشرت فيها كاميرات المراقبة في الأماكن العامة المزدحمة في برازافيل وبوانت نوار. ونوَّهوا إلى اعتقال العديد من شخصيات المعارضة السياسية والصحفيين والنشطاء الحقوقيين في ظل تزايد المراقبة.
وقالت الدكتورة مارينا رودياك، أستاذة السياسة الخارجية الصينية في جامعة هايدلبرغ بألمانيا، إن انتشار تكنولوجيا المراقبة الصينية في القارة أثار نقاشات حادة حول الحدود الأخلاقية وحقوق المواطنين، لكنها حذرت من أن الدعاية الصينية تحرص على السيطرة على ما يُقال وقمع مثل هذه النقاشات.
وقالت لمجلة «جون أفريك»: ”لا تُقدِّم الحكومة الصينية هذه التقنيات على أنها أدواتٌ لتأصيل الاستبداد، بل أدواتٌ لنشر الاستقرار والأمن والتنمية، وتندرج ضمن نموذج يعتمد فيه الاستقرار على السيطرة على الفضاء العام وغياب المعارضة الاجتماعية.“
