كشف تقريرٌ صادرٌ عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» مؤخراً أن جيش بوركينا فاسو والقوات الموالية للحكومة متهمان بقتل مئات المدنيين في الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2023 وحتى آب/أغسطس 2025.
فقد سقط في بوركينا فاسو في تلك الفترة 1,837 قتيلاً، أكثر من 1,200 منهم على يد الجيش البوركينابي والميليشيات المتحالفة معه المعروفة باسم «متطوعي الدفاع عن الوطن». ويُتهم كلٌ من العسكر الذين يتولون مقاليد الحكم في بوركينا فاسو، بقيادة النقيب إبراهيم تراوري، وهؤلاء المتطوعين بالتطهير العرقي للفولانيين.
وقعت واحدة من الهجمات الأكثر دموية على المدنيين يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2023، حينما اقتحم أكثر من 200 من الجنود والمتطوعين البوركينابيين بلدة بورو على متن دراجات نارية وشاحنات صغيرة ومركبات مدرعة نحو الساعة 9 صباحاً، وقتلوا 211 من أهلها على الأقل. وأفاد شهود عيان أن الجيش والمتطوعين اتهموهم بالتواطؤ مع مقاتلين إسلاميين.
فقد أحد الرجال 19 من أقاربه في الهجوم.
وقال هذا الرجل الذي يُدعى سامر، وهو اسمٌ مستعار، لهيومن رايتس: ”وجدت عائلتي وعائلة جاري مقتولين؛ وقُتلت زوجاتي وأبنائي… والناجي الوحيد [من عائلتي] كان ابني البالغ من العمر 11 عاماً… وجدت الجثث ملقاة على الأرض، والرصاص في رؤوسهم وصدورهم وبطونهم. وكان ابني مصاباً في ساقه اليسرى… فأخرجته من وسط كومة الجثث. ووجدت خمسة أطفال آخرين من عائلة جاري مصابين.“
فضمَّد جراح الأطفال بقطع ملابس ممزقة ثمَّ لاذ بالفرار بهم إلى مالي.
قالت السيدة إيلاريا أليغروزي، الباحثة الأولى في شؤون الساحل بهيومن رايتس، لوكالة أنباء «رويترز»، إن جيش بوركينا فاسو والمتطوعين يستخدمون البطش والعنف بعشوائية تشبه الجماعات الإرهابية مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، وأن سلوك قوات الأمن في بوركينا فاسو يسير وفق نمط إقليمي.
إذ تخضع جارتاها مالي والنيجر أيضاً لحكم عسكري، ويُتهم جيشاهما بارتكاب فظائع بحق المدنيين، فيقول مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها إن القوات الحكومية المالية ومن يحالفها قتلوا ما يصل إلى أربعة أضعاف عدد المدنيين الذين قتلهم الإرهابيون في العامين الماضيين. ويُتهم المرتزقة الروس الذين يعملون في صفوف القوات المالية بارتكاب فظائع بحق المدنيين. ويؤدي هذا البطش والقمع إلى نقيض التأثير المقصود، إذ يُلقي بالمدنيين في أحضان الجماعات الإرهابية.
فيقول السيد هِني نسايبيا، المحلل الأول لشؤون غرب إفريقيا في مشروع بيانات النزاعات المسلحة: ”بينما تسرف الدول في الرد الانتقامي والعقاب الجماعي، يتزايد عدد المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين في مناطق خاضعة لسيطرة الجماعات المتشددة، حيث تُعزز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نفوذها بطريق الإكراه والتفاعل الاستراتيجي مع الأهالي.“
ارتكب الجيش البوركينابي والمقاتلون الموالون للحكومة مجزرة راح ضحيتها أكثر من 130 مدنياً من الفولانيين خلال هجوم على بلدة سولينزو الواقعة غربي البلاد في يومي 10 و11 آذار/مارس 2025، وذلك في إطار عملية نفذتها القوات الخاصة البوكينابية تُسمى «الدوامة الخضراء 2»، أسفرت عن سقوط الكثير من القتلى في صفوف المدنيين وتهجير الكثير منهم.
وقالت أليغروزي على موقع هيومن رايتس: ”كان للفيديوهات التي انتشرت كالنار في الهشيم توثيقاً للفظائع التي ارتكبتها الميليشيات الموالية للحكومة قرب سولينزو أثرٌ بالغٌ في منطقة الساحل بإفريقيا، ولكن ما خفي كان أعظم. فقد كشفت بحوثٌ أخرى أن جيش بوركينا فاسو مسؤولٌ عن عمليات القتل الجماعي هذه التي سُفكت فيها دماء المدنيين الفولانيين، وأعقبتها أعمالٌ انتقامية دامية من جماعة مسلحة إسلامية، وعلى الحكومة إجراء تحقيق نزيه فيما جرى لهؤلاء القتلى ومحاكمة جميع المسؤولين عنها.“
كان تراوري قد تعهَّد بمكافحة الإرهاب عندما استولى على الحكم في أيلول/سبتمبر 2022، إلا أن جماعة نصرة الإسلام تفرض تحدياً عنيفاً لا هوادة فيه، ومثال ذلك أنها أعلنت في أيلول/سبتمبر 2024 مسؤوليتها عن مهاجمة مئات المدنيين الذين أمرتهم الحكومة بحفر خندق دفاعي حول بلدة بارسالوغو التي كانت معقلاً لمتطوعي الدفاع عن الوطن، وادَّعت أنها قتلت 300 من عناصر الجيش والميليشيات البوركينابية في ذلك الهجوم، ولم تُقدم أي اعتذار عن قتل المدنيين الذين أُجبروا على حفر الخندق.
فقالت لجنة الشريعة التابعة لها في بوركينا فاسو في تصريح لهيومن رايتس: ”لم يشفع ذلك للعفو عنهم، فكل من … يتبع هذا النظام … يستحق أن يُحاسب.“
وفي خضم هذا العنف والبطش، قالت هيومن رايتس ومرصد كيسال ومجموعة من المؤسسات الأخرى يوم 26 نيسان/أبريل إن حكومة تراوري تضيق الخناق على المجتمع المدني بقوانين قمعية وحل المؤسسات المدنية، وأعلنت قبل ذلك بـ 11 يوماً حل 118 منظمة من منظمات المجتمع المدني، الكثير منها يعمل في مجال حقوق الإنسان.
وقالت السيدة بينتا سيديبي جاسكون، رئيسة مرصد كيسال، وهي مؤسسة معنية بمراقبة حقوق الإنسان، في مقالٍ على موقع هيومن رايتس: ”إن الحل الجماعي لمنظمات المجتمع المدني لهو أحدث محاولة يقوم بها العسكر الذين يتولون مقاليد الحكم في بوركينا فاسو لتكميم أفواه المعارضة وتجنب التحقيق في سجلهم المروع في مجال حقوق الإنسان، فهذا القرار يعزز مناخ الخوف الذي يُكبل النشاط المدني المستقل.“
كما قامت الحكومة بطرد العشرات من وسائل الإعلام والمنظمات الدولية أو حظرها، وجندت منتقدين، واعتقلت ناشطين في مجال حقوق الإنسان، ونفذت اعتقالات تعسفية، وقامت بعمليات اختفاء قسري.
