تسعى البلدان الإفريقية للتصدي لأنشطة التنظيمات الإرهابية، ولكن يتعاظم أمامها تحدي تفكيك الأنظمة المالية متعددة الجوانب التي يعتمد عليها الإرهابيون.
وينطبق هذا بشدة على منطقة شرق إفريقيا، حيث تستخدم حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (داعش الصومال) أساليب الابتزاز والتهريب وغسل الأموال وفرض ضرائب غير مشروعة لجمع مئات الملايين من الدولارات.
تصل مخالب حركة الشباب الإرهابية إلى كل ركن من أركان الاقتصاد الصومالي، فتجمع ما يُقدَّر بنحو 200 مليون دولار أمريكي سنوياً لتمويل عملياتها. ويجمع داعش الصومال ما لا يقل عن 1.2 مليون دولار سنوياً من أنشطته الإجرامية، يرسل بعضها إلى فروع التنظيم الأخرى عبر «مكتب الكرار»، وهو مركز قيادة إقليمي في الصومال، ويدعم عمليات التنظيم العالمي في شرق إفريقيا ووسطها وجنوبها.
تنقل حركة الشباب وداعش الصومال وجماعات إرهابية أخرى أموالها بأساليب تقليدية، كنظام الحوالة، لكنها أخذت أيضاً تستفيد من التقنيات الرقمية، كالعملات المشفرة، لإدارة معاملاتها المالية. وهذا يمكن أن يمنح أجهزة إنفاذ القانون أفضلية في تتبع التحويلات، إذا توفرت لها التكنولوجيا اللازمة، مثل برمجيات الذكاء الاصطناعي لمكافحة غسل الأموال، والكوادر البشرية المؤهلة للقيام بذلك.
فتقول المحللتان ديزي مويبو ونيكول مازوروفا في مقالٍ لهما بمركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية مؤخراً: ”يمكن لهذه الأدوات أن تمكِّن المحللين من جمع كميات هائلة من البيانات ومعالجتها ودمجها بسرعة، لا سيما في البيئات التي تعاني من قلة الموارد وتعمل بفرق تحليلية صغيرة.“
يقول محللون إن أجهزة إنفاذ القانون المعنية بالتحقيق في تمويل الإرهاب آخذة في التطور، ولكن لا يزال يشوبها ثغرات جوهرية في التعامل مع الأدلة وتوفر الخبرات المتخصصة. ولا يسهل على البلدان الإفريقية في كثير من الحالات الحصول على التكنولوجيا وتدريب الكوادر اللازمة لتتبع الأموال غير المشروعة للجماعات الإرهابية. ومثال ذلك أن الصومال لا يزال يعتمد بشدة على الوثائق الورقية لتتبع المعاملات المالية، وكثيراً ما يفتقر كوادر إنفاذ القانون إلى الخبرة الكافية للتحقيق في الجرائم الرقمية والتعامل مع الأدلة الرقمية. والأدهى من ذلك صعوبة التعاون بين الدول في التحقيقات بسبب عدم العمل بأنظمة تكنولوجية موحدة.
فتقول مويبو ومازوروفا: ”حدث تقدمٌ ملحوظ في تعزيز جهود مكافحة تمويل الإرهاب في شرق إفريقيا، إلا أن الجماعات الإرهابية، مثل حركة الشباب، لا تزال تتكيف وتستغل الثغرات المؤسسية.“
أمست كينيا نموذجاً يُحتذى به في سد الثغرات بين أجهزة إنفاذ القانون المعنية بالتحقيق في الجرائم المتعلقة بتمويل الإرهاب ومحاكمة مرتكبيها. وتعمل الإرشادات المشتركة بينها على الربط بين «وحدة شرطة مكافحة الإرهاب» و«مركز الإبلاغ المالي» و«مكتب مدير النيابة العامة». ويستفيد «مركز الإبلاغ المالي» من علاقاته مع «مديرية التحقيقات الجنائية» و«وكالة استرداد الأصول» لتشكيل وحدات مشتركة بين عدة أجهزة حكومية لمكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال على طول الحدود الكينية.
ونوَّهت مويبو ومازوروفا إلى أن قضية الحكم على رجلين في عام 2025 بتهمة تمويل حركة الشباب في هجومها على فندق «دوسيت دي 2» في نيروبي في عام 2019 تدل على أهمية التعاون بين قوات الأمن وجهات التحقيق المالي والنيابة في عرقلة العمليات المالية للإرهابيين.
وفي عام 2025، ألقت قوات بونتلاند القبض على المدعو عبد الولي محمد يوسف، المسؤول المالي لداعش الصومال. وبرهنت تلك العملية على الدور الذي يمكن أن تنهض به الاستخبارات العسكرية في تجفيف منابع تمويل الإرهاب في مناطق الصراع. ولكن كثيراً ما تفتقر القوات إلى التدريب اللازم بشأن سلسلة التحريز وغيرها من المفاهيم الجوهرية لجمع الأدلة وحفظها بما يتيح استخدامها في محاكمة الضالعين في قضايا تمويل الإرهاب.
وإذا أرادت البلدان الإفريقية التصدي لشبكات تمويل الإرهابيين، فإن الخبراء يوصونها بالتعاون على تقاسم الموارد، مع صقل مهارات كوادر إنفاذ القانون في تتبع المعاملات التي تتم بالعملات المشفرة، وحفظ الأدلة الرقمية، والتحقيق في الأساليب متزايدة التعقيد التي تتبعها الجماعات الإرهابية لنقل أموالها.
وتقول مويبو ومازوروفا: ”إن صقل هذه المهارات سيسد الثغرات العملياتية لدى أجهزة إنفاذ القانون، بما يعزز إجراءات التحقيق والاعتراض والمحاكمة المتعلقة بشبكات تمويل الإرهاب.“
