أمست شركة «زام فريش» المملوكة لجهاتٍ صينية واحدة من أكبر شركات الصيد في جنوب القارة الإفريقية منذ وصولها إلى زامبيا في عام 2018. وتُباع أسماك البلطي التي تصطادها من بحيرة كاريبا، الواقعة بالقرب من جزيرة جيريميا، داخل زامبيا وزيمبابوي (وهما دولتان حبيستان لا سواحل لهما) وتُصدَّر للأسواق العالمية.
وهذا وإن كان مربحاً للشركة، فقد ألقى بـ 500 صياد حِرفي من جزيرة جيريميا في براثن الفقر والجوع واليأس، ويقولون إنهم طُردوا منها حتى لا ينازعوا الشركة في شيء، فلهذه الشركة أكثر من 300 قفص كبير لتربية الأسماك حول الجزيرة الواقعة على ضفاف زامبيا من بحيرة كاريبا، وهي أكبر بحيرة اصطناعية وخزان مائي في العالم من حيث الحجم.
ظل المواطن مايك مونغا يعمل في الصيد الحِرفي في جزيرة جيريميا نحو ست سنوات، وفي يوم من الأيام سمع هو وعائلته أصوات إطلاق نار في نحو الساعة 3 فجراً يوم 11 شباط/فبراير 2023.
وقال لراديو فرنسا الدولي: ”فخرجنا ورأينا ضباطاً وجنوداً من الشرطة يطلقون النار ويطاردون الناس، وقالوا لنا إنه يجب علينا مغادرة الجزيرة، ثمَّ أحرقوا كل شيء: منازلنا، وأسماكنا التي في الثلاجات، وأموالنا، ومتاجرنا، وكل ما نملك. وغادرنا الجزيرة صفر اليدين.“
وقال إنه ضُرب لما سأل عن السبب الذي دفع السلطات إلى حرق ممتلكاتهم، وأنه لا يجوز للصيادين أن يعودوا إلى الجزيرة، وأن ممثلي الحكومة قالوا لشيخ الجزيرة إنهم يُطردون لأن الجزيرة مطلوبة لغرض آخر.
وأضاف للراديو: ”لكنهم لم يخبرونا بأن الصينيين اشتروا تلك الجزيرة سراً؛ لأن الجزر في زامبيا ملك للشعب وليست للبيع. ورأينا بعد رحيلنا مبانيَ جديدة على الجزيرة يحرسها الآن نفس الجنود الذين ضربونا.“
صرَّح السيد فلاديمير تشيلينيا، المدير القُطري لمنظمة «فيان إنترناشيونال زامبيا» المعنية بحقوق الإنسان، بأن الحكومة كان ينبغي لها تأمين سبل رزق للصيادين قبل إجبارهم على المغادرة.
وقال للراديو: ”لم يُنقلوا لأماكن أخرى بطريقة تحفظ كرامتهم، بل طُردوا من أرضهم طرداً، وها هم يعانون أشد المعاناة.“
وذكر أن ما فعلته الحكومة إنما يتماشى مع تاريخها الحافل بإيلاء الأولوية للمصالح الصينية في قطاعي النحاس والاستزراع السمكي في زامبيا.
وقال: ”هنالك نمط متكرر يتمثل في إخلاء المجتمعات المحلية لصالح الاستثمارات الكبرى.“
ولم يرد مجلس مقاطعة سيافونغا الذي يتولى إدارة المناطق والمياه المحيطة بجزيرة جيريميا على استفسارات راديو فرنسا الدولي بشأن أوامر الإخلاء وما إذا كانت شركة «زام فريش» قد حصلت على حقوق الانتفاع بالجزيرة، ورفضت الشركة هي الأخرى التعليق على ذلك. ولكن أخبره صحفيون زامبيون آثروا إخفاء هويتهم بأن الحكومة هددت بإلغاء تراخيصهم الإعلامية إذا نشرواً أخباراً عن الجزيرة.
وفي آذار/مارس 2026، أظهر مقطع فيديو اثنين من الموظفين الصينيين في شركة «زام فريش» وهما يقيدان إحدى العاملات؛ فأصدرت وزارة العمل الزامبية قراراً بترحيلهما. كما أن «زام فريش» من الشركات التابعة لمجموعة «سن شير» التي وقعت مؤخراً عقداً بقيمة 246 مليون دولار أمريكي مع الحكومة الزامبية للاستثمار في مجال الطاقة الشمسية.
ويرى محللون أن الصفقات المبرمة مع شركات صينية في مجالات التنمية أو استخراج الموارد الطبيعية أو استغلالها تنطوي على مخاطر فقدان السيادة وانتهاك حقوق الإنسان. ففي أواخر نيسان/أبريل، قررت الحكومة الزامبية فجأة تأجيل مؤتمر «رايتس كون» السنوي المعني بحقوق الإنسان، وذلك قبل موعد افتتاحه المقرر في العاصمة لوساكا بأيام معدودات.
وادَّعت مؤسسة «أكسيس ناو»، وهي مؤسسة مناصرة مقرها نيويورك والجهة الراعية للمؤتمر، أن الحكومة الصينية ضغطت على المسؤولين الزامبيين، ومن أسباب ذلك مشاركة ممثلين عن تايوان. فتايوان دولة تتمتع بحكم ذاتي، إلا أن بكين تدعي أنها جزءٌ من أراضيها، فتحظر على شركائها الدبلوماسيين إقامة علاقات رسمية معها.
وقالت المحللة شانون فان سانت في مقال لمجلة «ذا ستراتيجيست» التابعة للمعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية: ”باتت زامبيا نموذجاً لتحول الاستثمار الاقتصادي الصيني إلى قمعٍ للمعارضة وإسكاتٍ للمواطنين الذين سبق لهم الخروج إلى الشوارع للاحتجاج على مثل هذا النفوذ.“
وفي حزيران/يونيو، رفضت الصين التوقيع على «إعلان مومباسا»؛ وهو اتفاقٌ يهدف إلى النهوض بجهود مكافحة الصيد غير القانوني، وذلك خلال الدورة الـ 11 من «مؤتمر محيطنا» الذي عُقد في كينيا. وشابت المؤتمر مزاعمٌ بأن ممثلي تايوان مُنعوا من حضوره بسبب ضغوط صينية على كينيا.
