كشفت شركات الإعلام الاجتماعي عن محاولة روسية لاختلاق خبير وهمي لنشر معلومات زائفة في إفريقيا، إذ استخدم عملاءٌ روس إحدى منصات الذكاء الاصطناعي الشهيرة لإنشاء محتوىً لأكاديمي ومعلق جيوسياسي وهمي يُدعى «الدكتور مانويل غودسين» بهدف التسلل إلى كبرى وسائل الإعلام في إفريقيا بدعاية مؤيدة للكرملين.
فقد صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أنها تلقت بلاغاً من شركة «ميتا»، صاحبة «فيسبوك»، يفيد بأن شبكة روسية تستهدف الجماهير الإفريقية بمحتوى مولد بتطبيقها «شات جي بي تي» للنماذج اللغوية الكبيرة، إذ يتدرب هذا التطبيق على كميات هائلة من البيانات النصية لفهم وإنشاء لغة وبرمجيات ومحتوىً شبيه بلغة البشر.
وقالت «أوبن إيه آي» في تقريرها الصادر يوم 25 شباط/فبراير بشأن استغلال نموذجها لأغراض هدَّامة: ”تفرَّغ حساب «شات جي بي تي» لإنشاء منشورات ومقالات تحليلية مطولة لوسائل الإعلام الاجتماعي عن الأوضاع الجيوسياسية في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وكان المستخدم يُدخل التعليمات باللغة الإنجليزية في الغالب، وكان يُدخل أحياناً تعليمات باللغة الروسية ينسبها إلى مديره.“
أعلنت شركة «ميتا» أنها اكتشفت وأغلقت 37 حساباً و29 صفحة على فيسبوك لمخالفتها سياستها المتعلقة بمبدأ «السلوك غير الأصيل المنسق».
وقالت في تقريرها الصادر في آذار/مارس بشأن هذه التهديدات: ”نجحنا في تعطيل شبكة كانت تعمل في روسيا وتستهدف جماهير في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثل أنغولا وغانا وكينيا وجنوب إفريقيا.“ كما استهدفت كلاً من مالي ونيجيريا وتوغو وأوغندا.
وأضافت: ”واستخدمت الشبكة كذلك محتوى مُولَّداً بالذكاء الاصطناعي لإضفاء المزيد من الأصالة على حساباتها في نظر المستخدمين المحليين، مثل الشكل البصري للصفحة، مثل صور الملف الشخصي والإعلانات الترويجية للصفحة، وفي مواد عملية بسط النفوذ والتأثير التي تقوم بها. وقد أرسلنا هذه المعلومات إلى شركائنا في «أوبن إيه آي»، فأجروا تحقيقاً مستقلاً في الشبكة، انتهى بحذفها من منصاتهم.“
وورد في تقرير صادر عن المرصد الإفريقي للديمقراطية الرقمية يوم 17 آذار/مارس أن محللي الأدلة الجنائية في مؤسسة «كود فور أفريكا» غير الربحية المعنية بصحافة البيانات، تحققوا من الحملة الإعلامية الروسية التي ”تستنسخ أساليب مماثلة لغسل المعلومات والتحليلات مدفوعة الأجر التي ابتكرتها وكالات حكومية صينية في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.“
وقال المرصد: ”كما عملت مواقع إلكترونية لمراكز أبحاث وهمية بتضخيم المحتوى، إذ أُعيد نشر بعض المقالات على منصات عالمية، مثل بوابة الأخبار العالمية «إم إس إن» التابعة لشركة «مايكروسوفت»، على أنها «تحليلات خبراء» موثوقة.“
وقد حققت «كود فور أفريكا» في هوية الكاتب الوهمي ومقالاته التي أعدها بالذكاء الاصطناعي، وقد بلغ عددها 38 مقالاً مفبركاً، نُشرت 73 مرة على الأقل على 27 موقعاً إلكترونياً مختلفاً في ثمانية بلدان إفريقية.
وقال المرصد: ”استند تحقيق «كود فور أفريكا» إلى دراسة حالة أجرتها «أوبن إيه آي»، وأكد أن المدعو «الدكتور مانويل غودسين» شخصية وهمية؛ عبارة عن حساب مُزيَّف أُنشئ لتمرير السرديات الروسية إلى وسائل الإعلام الكبرى بانتحال شخصية مُعلِّق مستقل.“
وقد وُصف غودسين في سيرة المؤلف المُقدَّمة لوسائل الإعلام الإفريقية بأنه حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأزمات الدولية من جامعة أوسلو، ودرجة الدكتوراه من جامعة بيرغن.
ولم تجده مؤسسة «كود فور أفريكا» في مكتبة جامعة بيرغن، وصرَّحت جامعة أوسلو بأنها لا تُقدِّم برامج في إدارة الأزمات الدولية، وليس لديها أي سجل لطالب حالي أو سابق يُدعى غودسين.
وأظهرت عمليات البحث العكسي عن الصور المُرفقة بمقالات غودسين أنها مطابقة لصورة طالب في كلية الحقوق في سانت بطرسبرغ بروسيا، يُدعى ميخائيل مالياروف يوريفيتش، كان قد نشر صورته على موقع تواصل قانوني روسي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. كما يُوصف غودسين بأن له عدة كتب، ولكن لم تعثر مؤسسة «كود فور أفريكا» على أي منها في الفهارس أو قواعد البيانات.
وخلص المرصد إلى ما يلي: ”يبدو أن عملية غودسين متشابكة مع آلة دعائية أوسع نطاقاً موالية للكرملين وتستهدف إفريقيا. وتُعد المبادرة الإفريقية عقدة مركزية في هذه المنظومة، وهي هيئة ممولة من الدولة مقرها موسكو وتركز على إفريقيا، وتأسست في عام 2023.“
وأظهرت تحليلات «كود فور أفريكا» أن مواقع إخبارية كبرى نشرت العديد من مقالات غودسين ما إن نشرت المبادرة الإفريقية مقالات مماثلة حول المواضيع نفسها.
وجاء في مقال المرصد: ”لا يقتصر زرع المعلومات المغلوطة، وفي بعض الحالات المعلومات المضللة بوضوح، في وسائل الإعلام الكبرى على الترويج لرواية معينة، بل ويُعد هجوماً على نزاهة منظومة الأخبار، ولهذا تأثيرٌ سلبي على الثقة في وسائل الإعلام، ويخدم مصالح جهات تسعى إلى تدمير نزاهة المعلومات بصفة عامة.“
