وجهة نظر

Reading Time: 2 minutes

قلّما‭ ‬

تنتهي‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬تنشب‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬بتوقيع‭ ‬معاهدة‭ ‬بين‭ ‬أطرافها‭ ‬أو‭ ‬استسلام‭ ‬أحدها‭ ‬رسمياً‭.‬

ويرجع‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات‭ ‬المتمردة‭ ‬لا‭ ‬تنفك‭ ‬عن‭ ‬القتال‭ ‬حتى‭ ‬الرمق‭ ‬الأخير،‭ ‬ويختبئ‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬غمار‭ ‬المدنيين،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬ينطفئ‭ ‬فتيل‭ ‬التوترات‭ ‬الطائفية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أجيال‭ ‬بعدما‭ ‬تضع‭ ‬الحرب‭ ‬أوزارها،‭ ‬وقد‭ ‬تستعر‭ ‬نار‭ ‬الفتنة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ويتجدد‭ ‬العنف‭ ‬والقتال،‭ ‬بسبب‭ ‬التكالب‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬التنازع‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭.‬

وتظل‭ ‬رايات‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬قوة‭ ‬تحميها؛‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬ترسي‭ ‬بها‭ ‬دعائم‭ ‬السلام،‭ ‬وتفرض‭ ‬بها‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدائم‭.‬

وقد‭ ‬وجدت‭ ‬بلدان‭ ‬كثيرة‭ ‬أن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬الناجعة‭ ‬بعد‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬الأمل‭ ‬للمقاتلين‭ ‬السابقين،‭ ‬وصنعت‭ ‬برامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬والتسريح‭ ‬وإعادة‭ ‬الإدماج‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬كأوغندا‭ ‬وليبيريا‭ ‬وأنجولا،‭ ‬ويعمل‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التدريب‭ ‬المهني‭ ‬وتمويل‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬لأعضاء‭ ‬الميليشيات‭ ‬المسلحة،‭ ‬ويأملون‭ ‬أن‭ ‬يتمكنوا‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬إغرائهم‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬السلاح‭ ‬وسلك‭ ‬دروبٍ‭ ‬جديدة‭.‬

وتنظر‭ ‬الجيوش‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬قطاع‭ ‬الأمن‭ ‬باعتباره‭ ‬سبيلاً‭ ‬لتطويرها،‭ ‬إذ‭ ‬تتوسع‭ ‬بعض‭ ‬الجيوش‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الوقت‭ ‬بشكل‭ ‬يعيق‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وبذلك‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حجمها،‭ ‬وتصبح‭ ‬جيوش‭ ‬أخرى‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الطوائف‭ ‬العرقية‭ ‬دون‭ ‬سواها،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إصلاحها‭ ‬بضم‭ ‬جنود‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الطوائف‭ ‬إلى‭ ‬صفوفها،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬الجيوش‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق،‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬بحيث‭ ‬يتسنى‭ ‬لها‭ ‬استعادة‭ ‬شرعيتها‭ ‬المسلوبة؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتيسر‭ ‬للدول‭ ‬نشر‭ ‬السلام‭ ‬وفرض‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬إلّا‭ ‬بإعلاء‭ ‬قيم‭ ‬المهنية،‭ ‬والتجرد‭ ‬من‭ ‬الهوى،‭ ‬والترقي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الكفاءة‭.‬

أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬البرامج‭ ‬العسكرية‭ ‬المدنية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬عظيم‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام؛‭ ‬ويمكن‭ ‬ألّا‭ ‬تقل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬في‭ ‬تعقيدها‭ ‬عن‭ ‬تشييد‭ ‬الجسور،‭ ‬ولا‭ ‬تقل‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬كارثة‭ ‬طبيعية،‭ ‬ولا‭ ‬تقل‭ ‬في‭ ‬بساطتها‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬بطولة‭ ‬رياضية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬أحياناً‭ ‬على‭ ‬تحدث‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود‭ ‬مع‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬دوريات‭ ‬الأمن‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬مخاوفهم‭ ‬الأمنية‭. ‬وتقدم‭ ‬البرامج‭ ‬العسكرية‭ ‬المدنية‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها،‭ ‬وتعمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬صورة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬كما‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬الجماعات‭ ‬المتمردة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحاول‭ ‬تجنيد‭ ‬مقاتلين‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬الضعيفة‭ ‬والمهمشة‭ ‬بالمجتمع‭.‬

ويعي‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود‭ ‬أنهم‭ ‬لن‭ ‬يحتفلوا‭ ‬بالنصر،‭ ‬ولن‭ ‬تدوم‭ ‬لذته‭ ‬طويلاً،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬خُطة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬لحماية‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬حققوه‭ ‬بدمائهم‭ ‬وعرقهم؛‭ ‬ولذلك‭ ‬يجدر‭ ‬بقادة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬إيجاد‭ ‬استراتيجيات‭ ‬جديدة‭ ‬ومبتكرة‭ ‬لغلق‭ ‬الأبواب‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تجدد‭ ‬الصراع‭ ‬المسلح‭. ‬وقد‭ ‬يصعب‭ ‬تفعيل‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬فوائدها‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬إن‭ ‬أحسنت‭ ‬الجيوش‭ ‬تنفيذها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الجهود‭ ‬الأمنية‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬السلم‭ ‬تقتضي‭ ‬استخدام‭ ‬أقل‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭.‬

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.