تتردد المزاعم عن ارتكاب الصين لانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان والإضرار بالبيئة مع توسيعها لاستثماراتها في مشاريع تعدين المعادن في القارة، وتتزايد هذه المزاعم بوتيرة تدعو إلى القلق.
فقد كشف «مركز الأعمال وحقوق الإنسان»، وهو منظمة دولية غير ربحية تهتم بمساءلة الشركات والشفافية، في تقرير صدر في تموز/يوليو، أن عدد مزاعم الانتهاكات المرتبطة بأنشطة التعدين الصينية في إفريقيا قد تجاوز الضعف؛ إذ بلغ 45 حالة في عام 2024، ثمَّ وصل إلى 100 حالة في عام 2025.
وتتعلق هذه الانتهاكات باستخراج المواد اللازمة للتحول في مجال الطاقة؛ وهي موادٌ معدنية وغير معدنية توجد في الطبيعة، ولا غنى عنها في تصنيع الكثير من الأجهزة المتطورة والمركبات الكهربائية. وقد وثَّق المركز 326 حالة من مزاعم الانتهاكات في مشاريع المعادن المرتبطة بالتحول في مجال الطاقة مرتبطة بشركات صينية على مستوى العالم بين عامي 2023 و2025؛ سُجلت 119 منها في إفريقيا، أي نحو 37%.
وجاء في التقرير: ”في ظل السباق المتسارع للحصول على هذه المعادن، تتزايد أيضاً مزاعم خطيرة بانتهاك حقوق الإنسان والإضرار بالبيئة؛ فلا بدَّ أن تتخذ الجهات الصينية إجراءات عاجلة حتى لا يكون عنصر السرعة هو الشغل الشاغل للتحول العالمي في مجال الطاقة، بل يجب أن يكون هذا التحول منصفاً للمجتمعات والعمال المتأثرين بشكل مباشر بعمليات التعدين الضخمة التي يقوم عليها.“
وقد صدر التقرير بعنوان «أرض متغيرة: حقوق الإنسان والاستثمارات الصينية والسباق نحو معادن تحول الطاقة»، وأوضح أن أكبر عدد من هذه المزاعم في إفريقيا حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بواقع 52 حالة، تلتها زيمبابوي (20) وغينيا (18) وزامبيا (15) وناميبيا (8).
وقال السيد جوزيف كيبوغو، المدير الإقليمي لإفريقيا في المركز، لوكالة أنباء «رويترز» في حزيران/يونيو: ”يتزامن هذا التسارع مع إكثار القوى العالمية من إبرام اتفاقيات بشأن المعادن الاستراتيجية مع الحكومات الإفريقية.“ وذكر أن هذه الاتفاقيات كثيراً ما ”يحدث التفاوض بشأنها دون أي تشاور يُذكر مع أصحاب الحقوق والمجتمعات المحلية، والأدهى من ذلك أنها لا تنص على أي ضمانات ملزمة لحماية حقوق الإنسان والبيئة.“
في إفريقيا ما يُقدَّر بنحو 30% إلى 40% من احتياطيات العالم من المعادن الحيوية، مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم والنيكل. والصين أكبر من يستخرج المعادن الخام والفلزات في القارة وأكبر من يستوردها منها، إذ تسيطر الشركات الصينية على عدد هائل من المناجم الإفريقية، والصين أيضاً أكبر ممول لمشاريع المعادن الحيوية.
وقعت في شباط/فبراير 2025 واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ زامبيا، حين سرَّب منجم «سينو ميتالز ليتش» للنحاس ما لا يقل عن 50 مليون لتر من النفايات السامة إلى نهر كافوي الذي يزود نحو 5 ملايين نسمة بمياه الشرب.
ويشارك «مركز التقاضي للجنوب الإفريقي»، وهو منظمة غير حكومية مقرها جنوب إفريقيا وتعمل على تعزيز سيادة القانون في المنطقة، في دعوى قضائية رفعتها مجتمعات زامبية على هذا المنجم المملوك لجهاتٍ صينية. وقد أيدت السيدة أنيكي ميركوتر، المديرة التنفيذية للمركز، الفرضية التي افترضها «مركز الأعمال وحقوق الإنسان» بأن السباق نحو الطاقة النظيفة تسبب في تفاقم الانتهاكات الحقوقية في البلدان الإفريقية التي تحدث فيها أنشطة التعدين.
وقالت لمؤسسة طومسون رويترز: ”إن الطفرة التي تحدث في استخراج معادن تحول الطاقة في إفريقيا تشوبها انتهاكاتٌ بيئية وانتهاكاتٌ لحقوق الإنسان، وهذه الانتهاكات في تزايد، وذلك جرَّاء مزيج خطير من ضعف الرقابة الحكومية واستهتار الشركات بالقوانين المحلية. وفي ظل تزايد الطلب العالمي على هذه المعادن الحيوية، يطالب المدافعون عن البيئة وحقوق الإنسان بالتعجيل بمحاسبة من ينتهكونها، محذرين من أن التحول إلى الطاقة الخضراء لا يجب أن يُبنى على أساس من الإفلات من العقاب واستغلال المجتمعات المحلية.“
يبين التقرير أن 10 شركات صينية، منها «زيجين ماينينغ» و«تسينغشان جروب» و«تشجيانغ هوايو كوبالت»، كانت مسؤولة عن نحو ثلثي المزاعم والشكاوى المسجلة خلال الخمس سنوات الماضية. وتوصل إلى أن بعض الشركات الصينية ”لا تزال تبدو وكأنها تغض الطرف عن هذه القضايا.“ وحذر المركز من أن تطبيق سياسات حقوق الإنسان لا يزال من التحديات التي لم تتغلب عليها حتى الشركات التي وضعت مثل هذه السياسات.
واختُتم التقرير بمناشدة شركات التعدين إلى الاضطلاع بدور قيادي أفضل في عملية التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والمتجددة.
وجاء فيه: ”إلا أن هذا لن يتحقق دون تعجيل الشركات والجهات التنظيمية باتخاذ إجراءات استباقية وملموسة للتصدي للأضرار البيئية والاجتماعية المزمنة والمرتبطة بمعادن تحول الطاقة.“
وحذَّر كيبوغو من أن انتهاكات حقوق الإنسان من المحتمل أن تتزايد في ظل تزايد الطلب على معادن إفريقيا واستمرار هيمنة الصين على قطاعات التعدين في الكونغو الديمقراطية وزامبيا وبقاع أخرى، وذلك ”ما لم تتخذ الشركات والدول والمستثمرون إجراءات حاسمة لحماية المجتمعات المحلية والعمال والتأكد من استفادتهم من الموارد.“
