تتصادم المعركة التي تخوضها نيجيريا لمكافحة الإرهاب مع منظومة رقمية سريعة الانتشار، وتغدو منصة «تيك توك» لمشاركة الفيديوهات التطبيق المفضل للجماعات الإرهابية.
لطالما حافظ تنظيما القاعدة وداعش على شبكات إعلامية قوية، إذ يستخدمان المجلات والصور والفيديوهات على منصات رقمية متعددة لنشر التطرف والتجنيد والتنسيق وجمع الأموال ونشر الرسائل الدينية والدعائية والمعلومات المضللة. وأتاح «تيك توك» للإرهابيين مع انتشاره السريع في السنوات الأخيرة فرصاً جديدة لبسط نفوذهم.
كتب الباحث النيجيري مصطفى الحسن تعليقاً نشره مركز «أودي غلوبال» البحثي المستقل في شباط/فبراير يقول فيه: ”صار للجماعات المسلحة الآن مقاتلين في عالم الواقع ومؤثرين في عالم الإنترنت. ولا تقتصر قوتها على الإكراه، بل صارت قادرة على التلاعب بالرأي العام، وتأجيج الذعر، وتشكيل الروايات.“
ففي نيجيريا، كانت الجماعات الإرهابية، مثل بوكو حرام وولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا)، تعتمد في الماضي على وسطاء ومواقع إلكترونية سرية مشبوهة وشبكات محكمة الرقابة لنشر دعايتها.
ولكن وثَّق الباحثون والأجهزة الأمنية استغلالها لخوارزمية التوصيات في «تيك توك» لتضخيم الدعاية والتضليل والتواصل المباشر مع أتباعها، ومن يمكن تجنيدهم في صفوفها، والمجتمعات المحلية، والضحايا، وحتى الدولة نفسها.
وفي 3 شباط/فبراير، هاجم فصيلٌ من بوكو حرام يُدعى «صادقو» قريتي وورو ونوكو، الواقعتين في شمال غربي نيجيريا، فقتلوا 162 من أهلها على الأقل واختطفوا أكثر من 163 آخرين. وكان أكبر هجوم سُفكت فيه الدماء في تاريخ ولاية كوارا. ونشرت الجماعة الإرهابية بعد أسبوع مقطع فيديو على «تيك توك» تسخر فيه من الحكومة وتتهمها بـ”الخداع والخيانة“ لتقليلها من عدد المختطفين، وظهر في الفيديو بعضهم.
قال الصحفي الاستقصائي يعقوب محمد في مقالٍ له في صحيفة «بريميام تايمز» النيجيرية يوم 11 حزيران/يونيو:”لم تكن الرسالة مجرد دعاية، بل عكست تحدياً عالمياً متنامياً تستغل فيه الجماعات المتطرفة المنصات الرقمية والثغرات التي تعتري أنظمة الإدارة الرقمية للتواصل ونشر الدعاية وتجنيد الأتباع وفرض قوتها خارج ساحة المعركة التقليدية.“
تبلغ مدة الفيديو 90 ثانية، وشاركه مستخدمٌ يُعرف بأبو محمد أبا، وهو اسمٌ مستعار شائع في أوساط الإرهابيين. ولا يزال هذا الحساب حتى اليوم ينشر دعاية وخطباً لمتطرفين أمثال المدعو محمد يوسف، مؤسس بوكو حرام الراحل.
ويقول محمد: ”يمكن تنزيل مقطع فيديو واحد، حتى لو حُذف بعد ساعات قلائل، وإعادة نشره وتحريره على حسابات كثيرة، فيكون تأثيره أشد ويصعب احتواؤه. وفيديو ضحايا وورو المختطفين خير مثال على ذلك. فقد اختفى الفيديو من الحساب الرئيسي المشتبه بانتمائه للجماعة المتمردة، ولكن لا تزال نسخٌ منه متاحة على الكثير من الحسابات المرتبطة به.“
كثيراً ما تعيد الحسابات المرتبطة ببوكو حرام نشر فيديوهات قديمة، مثل خطب يوسف، لإضفاء الشرعية على فكرها المتطرف. كما تستغل الجماعة أدوات جني المال في «تيك توك»، فتحول «هدايا» المشاهدين إلى تمويل. وكشف أحد مقاتليها السابقين أنها انتقلت إلى «تيك توك» بعد التضييق عليها على منصات أخرى مثل التلغرام.
وفي مؤتمر صحفي عُقد في المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في أبوجا في كانون الأول/ديسمبر 2025، صرَّح اللواء آدمو لاكا بأن «تيك توك» كان من المنصات التي تعاون معها المركز لحذف المحتوى والحسابات التي تهدد الأمن القومي.
وقال: ”إن مسألة منصات الإعلام الاجتماعي التي تستخدمها الجماعات الإرهابية خطيرة، لو علمتم عدد الحسابات التي أغلقناها. لقد عقدنا عدة اجتماعات مع مسؤولي هذه المنصات، مثل تيك توك وإنستغرام وسناب شات وفيسبوك وغيرها.“
حذَّر السيد مالك صمويل، المحلل الأمني المقيم في أبوجا في مؤسسة «غود غفرنانس أفريكا» البحثية، من أن إغلاق حسابات الإرهابيين وحده لن يحل المشكلة؛ فلا أسهل من أن تنشئ حسابات بديلة أو تنتقل إلى منصات أخرى.
واتفق محمد مع هذا الرأي، ونوَّه إلى أن المعلومات الاستخبارية كثيراً ما تكون معزولة داخل المنظومة الأمنية النيجيرية، وأن التنسيق المؤسسي قد يكون بطيئاً.
فيقول: ”بينما تراقب عدة جهات جوانب الجرائم السيبرانية والإرهاب والنشاط الإلكتروني، لا توجد معلومات متاحة للجمهور عن إطار عمل متكامل ومخصص لتتبع المحتوى المتطرف على المنصات لحظة بلحظة، أو لتحليل أنماط التهديدات الرقمية بطريقة منهجية في المؤسسات.“
وقد حصل محمد في حزيران/يونيو 2026 على بيانات من بوابة الشفافية الخاصة بمنصة «تيك توك»، تبين أنها تسلمت 33 طلباً من الحكومة النيجيرية لحذف المحتوى في الفترة من كانون الثاني/يناير 2023 والربعين الأولين من عام 2025؛ منها 24 منشوراً من 55 حساباً، «اتُخذت إجراءات» بشأن 30 منها لمخالفتها القوانين المحلية وإرشادات المجتمع.
وأعرب صمويل في حديثه مع محمد عن أسفه على لعبة القط والفأر المميتة التي شهدها ووثقها على «تيك توك»:”ما عادت الحرب حِكراً على البنادق والرصاص، بل صارت أشبه بحرب المعلومات.“
