ما لبثت القوات المسلحة السودانية أن طردت قوات الدعم السريع غريمتها من ود مدني في وقت سابق من العام الجاري حتى أخذت الجثث تظهر في قنوات الري الزراعية بالمنطقة.
كان بعضها عارياً، وبعضها يرتدي ملابس مدنية، وبعضها موثوقة الأيدي، والكثير منها مصابٌ برصاص في الرأس. وقال شهود عيان للمحققين إن مقاتلي الجيش كانوا يجوبون المنطقة، يشهرون بالمتواطئين مع الدعم السريع.
وفي الجانب الآخر من السودان، وفي إقليم دارفور الواقع في قبضة الدعم السريع، لا يكاد يمر يومٌ إلا والجوع والعطش يوديان بحياة المدنيين غير العرب المهجَّرين في واحدة من أبشع الأزمات الإنسانية في العالم.
ولا تزال الحرب الأهلية في السودان مستعرة بعد عامها الثاني، ويصر كل فريقٌ على أن الصراع لن ينتهي إلا بعد أن يحقق نصراً ساحقاً على غريمه، ويقول محققون دوليون إن هذه الغاية ألجأت الفريقين إلى أساليب الإبادة الجماعية.
فقد وصفت السيدة منى رشماوي، المشاركة في إعداد تقرير عن السودان قُدِّم لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الوضع في بيان صادر في أيلول/سبتمبر 2025، فقالت:
”إنكم تسفكون الدماء، ولا توفرون الغذاء ولا الماء، ولا تسمحون بإنتاج الغذاء، وتمنعون الوصول إلى الغذاء والأسواق … ولا تسمحون بوصول المساعدات الإنسانية، وإن ما تريدونه إنما هو قتل الناس … فما يحدث ما هو إلا جريمة ضد الإنسانية … جريمة قتل وإفناء.“
لم يصف التقرير الوضع بالإبادة الجماعية، غير أن السيد محمد شاندي عثمان، رئيس المجلس، قال إن كلاً من الجيش والدعم السريع قد ارتكبا فظائع، ومنها إجبار الفتيات الصغيرات على الزواج، والاعتداء الجنسي على الرجال والفتيان، ووصف شهود عيان معتقلات الدعم السريع بأنها كالمجازر.
إن إطلاق العنان لشبح الموت والدمار في السودان إنما يذكرنا بما حدث في دارفور وجنوب السودان قبل الاستقلال. فقد ذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن قوات الدعم السريع وحلفاءها عملوا بمنهجية خلال الستة أشهر الأولى من الصراع الحالي الذي نشب في عام 2023 على تهجير المساليت من مدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور.
ثم استولت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2025، وهذا من آخر الأمثلة على أساليب الإبادة الجماعية، إذ قتل مقاتلو الدعم السريع بعد انسحاب الجيش ما يُقدَّر بنحو 7,000 مدني كانوا لا يزالون في المدينة، وقتلوا أو اعتدوا على المزيد من المدنيين، وكثيرٌ منهم من النساء والأطفال، أثناء فرارهم.
ويقول محللون إن الجثث الطافية في قنوات الري الزراعية بولاية الجزيرة تُوحي بأن الجيش أيضاً يستخدم أساليب الإبادة الجماعية.
فقد كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في أيَّار/مايو 2025 عن عشرات الجثث إذ تنحسر مياه القنوات في موسم الجفاف، الكثير منها في قرية بيكة، على بُعد أمتار قليلة من الجسر الذي وقف عنده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، وأعلن النصر بعد طرد الدعم السريع من ود مدني.
وذكر تقريرٌ لشبكة «سي إن إن» أن التحليلات الجنائية كشفت أن الجثث تعود لمواطنين غير عرب من منطقة دارفور أو من جنوب السودان.
وقال ضابطٌ في الجيش، اشترط عدم الكشف عن هويته، للشبكة: ”أي شخص كان يبدو أنه من النوبة، أو من غرب السودان، أو من الجنوب، أُطلق عليه النار فوراً.“
وقد نُشر على التلغرام مقطع فيديو مُدرجٌ في تقرير «سي إن إن»، يظهر فيه جنودٌ من الجيش يقفون بين جثث 50 شاباً أعزل على الأقل على ما يبدو، جميعهم يرتدون ملابس مدنية، وكثيرٌ منهم حفاة، وكثيرٌ منهم يبدو أنهم غارقون في برك من الدماء التي سالت منذ قريب، ويظهر أثر الطلقات النارية في رأسهم، وعلى أحدهم عكازان.
وبينما كان الجيش يعضد سيطرته على ولاية الجزيرة، أخذ يهتم بأبناء قبائل الكنابي، وهم من غير العرب المنحدرين من دارفور وجنوب السودان، يعيشون في تجمعات سكنية في أرجاء الولاية. فهاجم هو والميليشيات المتحالفة معه 39 قرية كنابية في ولاية الجزيرة، و18 قرية أخرى في ولاية سنار، في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2024 وأيَّار/مايو 2025.
وقال شهود عيان لشبكة «سي إن إن» إن مقاتلين موالين للجيش أحرقوا منازل وأطلقوا النار على المدنيين في القرى الكنابية، وأخبروا سكانها الكنابيين أنهم يريدون من غير العرب أجمعين أن يرتحلوا منها.
وقال السيد سليمان بلدو، مدير المرصد السوداني للشفافية والسياسات، لشبكة «سي إن إن» إن هذه اللغة تبيح استهداف الكنابيين وغيرهم من غير العرب.
وقال: ”إنهم يعتبرون الجنوبيين، أو ذوي الملامح الإفريقية، مواطنين من الدرجة الثانية، ومن ثمَّ يمكن التخلص منهم.“
ويرى السيد ألبرتو فرنانديز، نائب رئيس معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط، أن لجوء الجيش والدعم السريع لأساليب الإبادة الجماعية وهما يلهثان وراء نصر ساحق سيُفقدهما شرعيتهما بعد انتهاء الصراع.
وكتب مؤخراً يقول: ”وإذ لا يزال كل فريق من الفريقين يحلم بنصر ساحق، يبدو أنهما قد ألقيا نفسيهما في بئر لا قرار له.“
