رحلة إلى أرض البنط

Reading Time: 2 minutes

فراعنة‭ ‬مصر‭ ‬القديمة‭ ‬كانوا‭ ‬مَأخُوذين‭ ‬بمكان‭ ‬بعيد‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬أرض‭ ‬بنط،‭ ‬أو‭ ‬ببساطة‭ ‬البنط‭. ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬أرض‭ ‬الوفرة‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬موارد‭ ‬غنية‭. ‬يسميها‭ ‬البعض‭ ‬تا‭ ‬نيتجير‭ – ‬أرض‭ ‬الله‭.‬

لكنها‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭. ‬المصريون‭ ‬يحترمون‭ ‬ثقافتها‭ ‬ويعتبرونها‭ ‬موطن‭ ‬الأجداد‭. ‬حجمها‭ ‬وموقعها‭ ‬بالتحديد‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬بسبب‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬مؤكد‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬جيبوتي‭ ‬وإريتريا‭ ‬وإثيوبيا‭ ‬والصومال‭.‬

أصبحت‭ ‬حتشبسوت‭ ‬ملكة‭ ‬مصر‭ ‬حوالي‭ ‬1470‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬سياسية‭ ‬شابها‭ ‬الجدل‭. ‬ولأنها‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬جنسها‭ ‬يمثل‭ ‬عائقاً‭ ‬أمامها،‭ ‬فقد‭ ‬أمرت‭ ‬لفترة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬بتصويرها‭ ‬كرجل‭ ‬ذي‭ ‬لحية‭ ‬وعضلات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التماثيل‭ ‬واللوحات‭.‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬كان‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬بنط‭ ‬قد‭ ‬ضاع‭ ‬لمدة‭ ‬عقود‭. ‬أخبرت‭ ‬حتشبسوت‭ ‬رعاياها‭ ‬أن‭ ‬الآلهة‭ ‬قد‭ ‬أوعزت‭ ‬لها‭ ‬بالعثور‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إرسال‭ ‬بعثة‭ ‬تجارية‭. ‬بدأت‭ ‬البعثة‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬عامها‭ ‬التاسع‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬كفرعون،‭ ‬حيث‭ ‬أرسلت‭ ‬خمس‭ ‬سفن‭ ‬طول‭ ‬كل‭  ‬منها‭ ‬21‭ ‬متراً‭. ‬الرجال‭ ‬الـ210‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬إرسالهم‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬شملوا‭ ‬البحارة‭ ‬والمجدفين‭.‬

سافر‭ ‬المصريون‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬النيل‭ ‬مع‭ ‬التيار،‭ ‬ثم‭ ‬فككوا‭ ‬قواربهم‭ ‬وحملوها‭ ‬عبر‭ ‬اليابسة‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬وهناك‭ ‬أعادوا‭ ‬تجميعها‭ ‬لأن‭ ‬القوارب‭ ‬خفيفة‭ ‬عمداً،‭ ‬فقد‭ ‬اضطروا‭ ‬إلى‭ ‬الابحار‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬شواطئ‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬والبقاء‭ ‬خارج‭ ‬المياه‭ ‬العميقة‭ ‬الخطرة‭. ‬استغرقت‭ ‬الرحلة‭ ‬حوالي‭ ‬25‭ ‬يوماً،‭ ‬وقطعت‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬كيلومتراً‭ ‬في‭ ‬اليوم‭.‬

كان‭ ‬شعب‭ ‬بنط‭ ‬مندهشاً‭ ‬من‭ ‬شجاعة‭ ‬المصريين‭ ‬لقيامهم‭ ‬بهذه‭ ‬الرحلة‭. ‬كانوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬أرضهم‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬للعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬وكانوا‭ ‬تواقين‭ ‬للتجارة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬والمجوهرات‭ ‬والأسلحة‭ ‬التي‭ ‬يصنعها‭ ‬المصريون‭.‬

عاد‭ ‬الوفد‭ ‬التجاري‭ ‬من‭ ‬بنط‭ ‬محملاً‭ ‬بثروة‭ ‬هائلة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العاج،‭ ‬والأبنوس،‭ ‬والذهب،‭ ‬والحيوانات‭ ‬البرية،‭ ‬وأنياب‭ ‬الفيل،‭ ‬وجلد‭ ‬الفهد،‭ ‬والبخور‭. ‬ومما‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬31‭ ‬شجرة‭ ‬مرج‭ ‬حية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬جذور‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬سلة‭. ‬زرعت‭ ‬حتشبسوت‭ ‬الأشجار‭ ‬في‭ ‬أفنية‭ ‬مجمع‭ ‬المعبد‭ ‬الجنائزي‭ ‬الخاص‭ ‬بها،‭ ‬حيث‭ ‬نمت‭ ‬الأشجار—‭ ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المسجل‭ ‬يقوم‭ ‬فيها‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬بنقل‭ ‬وزراعة‭ ‬الأشجار‭ ‬الأجنبية‭ ‬بنجاح‭. ‬لا‭ ‬زال‭ ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬جذور‭ ‬الأشجار‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

كان‭ ‬حكم‭ ‬حتشبسوت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكثر‭ ‬ازدهارا‭ ‬ًفي‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر،‭ ‬وتبين‭ ‬النحوت‭ ‬في‭ ‬معابد‭ ‬الدير‭ ‬البحري‭ ‬الضخمة‭ ‬المخصصة‭ ‬لها‭ ‬أنها‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬بنط‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أعظم‭ ‬إنجازاتها‭.‬

عندما‭ ‬توفيت‭ ‬حتشبسوت‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الأربعينات‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬تم‭ ‬استبدالها‭ ‬بابن‭ ‬أخيها،‭ ‬ثوتموس‭ ‬الثالث‭. ‬وكانت‭ ‬غيرته‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬إنجازاتها‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬أزال‭ ‬كل‭ ‬الأدلة‭ ‬تقريباًً‭ ‬على‭ ‬حكمها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬صورها‭ ‬كملك‭ ‬ذكر‭ ‬على‭ ‬المعابد‭ ‬والآثار‭ ‬التي‭ ‬بنتها‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العلماء‭ ‬يعرفون‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬عنها‭ ‬لغاية‭ ‬عام‭ ‬1822‭ ‬عندما‭ ‬تعلموا‭ ‬فك‭ ‬رموز‭ ‬الهيروغليفية‭ ‬الموجودة‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬الدير‭ ‬البحري‭.‬

واكتشف‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الآثار‭ ‬بقاياها‭ ‬المحنطة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2007‭ ‬؛‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭. ‬هذه‭ ‬الاكتشافات‭ ‬أعادتها‭ ‬لمكانها‭ ‬الصحيح‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الفراعنة‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.