كان السيد غودلاك جوناثان، رئيس نيجيريا الأسبق، مراقباً للانتخابات التي أُجريت في غينيا بيساو حينما أعلنت مجموعة من القادة العسكريين عن انقلاب، وهو أحدث اضطراب في تاريخ هذه الدولة الواقعة في غرب إفريقيا.
وما لبث الجنود أن ظهروا في شوارع العاصمة بيساو، وسُمع دويُّ إطلاق نار حول قصر الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حتى خرج وقال لوسائل الإعلام إنه قد أُطيح به. وكان جوناثان من بين أناسٍ كثيرينٍ يرتابون في توقيت القيام بانتفاضة قبل إعلان نتائج الانتخابات بيوم واحد.
وقال للصحفيين: ”لم يكن هذا حتى انقلاباً من القصر، بل انقلابٌ شكليُّ نفَّذه رئيس الدولة بنفسه، فالجيش لا يستولي على السلطة ويأذن للرئيس الذي أطاح به بعقد مؤتمرات صحفية والإعلان عن اعتقاله.“
وكان السيد عثمان سونكو، رئيس وزراء السنغال، من جملة المشككين فيما حدث، وقال تحت قبة البرلمان في بلاده: ”ما حدث في غينيا بيساو إنما هو عملية صورية.“
ادَّعى إمبالو أنه فاز بفترة حكم ثانية قبل أن يُعلن بنفسه عن خبر الإطاحة به، بينما قال قادة العسكر إنهم استولوا على السلطة وعلقوا الانتخابات بعد أن اكتشفوا ما وصفوه بمؤامرة للتلاعب بالنتائج، ضالعٌ فيها ”بعض السياسيين الوطنيين بمشاركة تاجر مخدرات مشهور ومواطنين محليين وأجانب.“
وسارع العسكر إلى تعيين قائداً للفترة الانتقالية، فاختاروا اللواء هورتا إنتا الذي كان إمبالو قد عينه رئيساً لأركان جيشه في أيلول/سبتمبر 2023. ورُقِّي إيليديو فييرا تي، الذي كان مدير حملة إمبالو الانتخابية ووزير المالية في عهده، إلى منصب رئيس الوزراء، وسيشرف على الانتقال السياسي الموعود لمدة عام واحد.
وتقول السيدة بيفرلي أوشينغ، محللة الأمن الأولى في شركة «كونترول ريسكس» الاستشارية، إن الرجلين من حاشية الرئيس المخلوع.
وقالت لوكالة أنباء «آسوشييتد بريس»: ”نفَّذها رجالٌ مقرَّبون من إمبالو في الجيش“، وذكرت أن دينيس نتشاما، وهو قائدٌ آخر في العسكر، كان المستشار العسكري الشخصي للرئيس السابق. وأضافت:”والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني مجمعون على أن الانقلاب إنما دُبر لأن إمبالو كان يوشك أن يترك الحكم.“
شهدت غينيا بيساو أربعة انقلابات وعدة محاولات للانقلاب منذ استقلالها في عام 1974. وتُعرف بأنها معبرٌ لتهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا، وصنَّفتها الأمم المتحدة على أنها «دولة مخدرات» في عام 2008 بسبب دورها في تجارة الكوكايين الدولية.
واتهم السيد فرناندو دياس، مرشح المعارضة المستقل، إمبالو بتدبير الانقلاب لأنه كان يعلم أنه سيخسر الانتخابات.
وقال في مقطع فيديو نُشر على مواقع الإعلام الاجتماعي: ”خسر أومارو الانتخابات، لكنه لم يقبل النتيجة، بل اختلق انقلاباً، فلم يقدر على تقبُّل الهزيمة، فأرسل الحرس الرئاسي وقوات وزارة الداخلية للقبض عليَّ، فاضطررتُ للهرب من باب خلفي.“
يتولى إمبالو مقاليد الحكم منذ عام 2020، وادَّعى في هذه الفترة أنه نجا من ثلاث محاولات انقلاب، كان آخرها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، واتهمه منتقدوه باختلاق محاولات انقلاب لتبرير قمع المعارضة.
فقد سُمع دويُّ إطلاق نار طوال ساعات في بيساو في كانون الأول/ديسمبر 2023 عندما اشتبك حرس إمبالو الرئاسي مع الحرس الوطني، وقُتل رجلان في الاشتباك، ووصف إمبالو ما حدث بأنه محاولة انقلاب، فحلَّ البرلمان، ولم يكن لغينيا بيساو منذ ذلك الحين برلمانٌ يمارس سلطته التشريعية السليمة.
واعتقد كثيرون آنذاك أنها ذريعة مبالغ فيها لترسيخ سلطته، وتحدث مراقبون عن أوجه التشابه بين تلك المحاولة وبين نجاح الانقلاب الذي حدث في تشرين الثاني/نوفمبر.
فقال المحلل السياسي إمان إيتوك لمجلة «أفريكا ريبورت»: ”أشعر وكأنني أرى ما حدث من قبل، فالسيناريو واحد، غير أن المخاطر الآن أكبر بكثير. ففي كل مرة تصل فيها غينيا بيساو إلى لحظة حاسمة على طريق ديمقراطية، تظهر نفس الوجوه، وتُلاك نفس الروايات، وتتحرك نفس الأصابع الخفية خلف الستار.“
