نشبت الحرب الأهلية الدائرة في السودان في أول أمرها بين جنرالين متنافسيَن، وصارت بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات ساحةً للتنافس بين قوىً إقليمية تلهث وراء الموارد وطرق التجارة والنفوذ في منطقة القرن الإفريقي.
قال الدكتور جوزيف سيغل، الباحث الأول في مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، لمجلة «أفريكا ريبورت» مؤخراً: ”تشير تقارير كثيرة إلى أن كلاً من الإمارات والسعودية وتركيا وروسيا ومصر وإيران وقطر قد انخرطت بطرق شتى في نصرة الفصيلين العسكريين المتقاتلين على الأرض والنفوذ في السودان.“
ويرى السيد كاميرون هدسون، الباحث الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنه لولا تدخل تلك القوى الخارجية، لكان الصراع في السودان قد انتهى قبل ذلك بكثير.
وإنما أغرقت بلدانٌ مثل الصين وتركيا والإمارات ساحة المعركة في السودان بأنواع شتى من الأسلحة الحديثة، كالصواريخ أرض جو والمدفعية الثقيلة والمسيَّرات التجارية والعسكرية. ونوَّه هدسون إلى أن استخدام المسيَّرات قد أدى إلى محو الخطوط الأمامية في المعركة.
وقال لراديو دبنقا: ”حوَّلت أيادٍ خارجية المعركة في السودان من معارك القرن العشرين إلى معارك القرن الحادي والعشرين.“
تُعد تركيا والإمارات من أبرز هذه الأيادي الخارجية؛ فأما تركيا، فإنها تسلح القوات المسلحة السودانية بمسيَّرات «بيرقدار تي بي 2» و«آقنجي»، وأما الإمارات، فإنها تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة.
وسيطرت قوات الدعم السريع على الركن الشمالي الغربي من السودان في حزيران/يونيو 2025، فأمنت لنفسها بذلك معبراً رئيسياً من منطقة الكُفرة الليبية.
وفضلاً عن ليبيا، فقد أمست دول جوار السودان الأخرى قنواتٍ لتزويد الدعم السريع بالوقود والأسلحة. فقد اتهم الجيش كلاً من إثيوبيا وإريتريا مؤخراً بتوفير قاعدة انطلاق للدعم السريع لشن هجمات على مواقعه في شرق السودان.
ولا تزال الإمارات تنفي ضلوعها في الصراع السوداني، ولكن وصلها ذهبٌ بنحو ملياري دولار من السودان في السنوات الأخيرة، معظمه من مناجم في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في غرب السودان.
ونجح الجيش في آب/أغسطس في تدمير طائرة شحن مسجلة في الإمارات في مطار نيالا، جنوب دارفور، وهو مقر قوات الدعم السريع. وأسفر الهجوم عن مقتل 40 مرتزقاً كولومبياً جُندوا للقتال في صفوف الدعم السريع.
ووقع على نفس المطار هجومٌ آخر في تشرين الأول/أكتوبر، استهدف طائرة أخرى، وأسفر عن مقتل 17 مقاتلاً من الدعم السريع كانوا على متنها، ناهيك عن طياريها من كينيا وجنوب السودان. وذكر محققون أن هذه الطائرة كانت قد سُجلت في مطار بوصاصو بولاية بونتلاند الصومالية، وهو مركز إمداد وتموين لإرسال الأسلحة الإماراتية إلى الدعم السريع، وفي القسم العسكري من مطار نجامينا الدولي في تشاد.
أما السعودية، المنافسة الإقليمية للإمارات، فتدعم الحكومة السودانية المعترف بها دولياً بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، وتستضيف أيضاً محادثات سلام بين الفريقين المتقاتلين، ولكن فشلت هذه المحادثات مراراً وتكراراً في وقف القتال.
وأما مصر، جارة السودان شمالاً على البحر الأحمر ونهر النيل، فتساند قوات البرهان بالمعلومات الاستخبارية والتدريب والأسلحة بين الحين والآخر.
وللإمارات والسعودية ارتباطٌ وثيقٌ بقوات داخل السودان، ولئن اختلفت مآرب كلٍ منهما عن الآخر.
وقالت السيدة خلود خير، وهي محللة سياسية سودانية والمديرة المؤسسة لمركز «كونفلونس أدفايزري»، لمجلة «أفريكا ريبورت»: ”فأما الإمارات، فغايتُها الذهب؛ وأما السعودية، فهمُّها أمنها الغذائي.“
ويقول محللون إن السعودية تهتم أيضاً بالسودان حتى لا يمتد ما فيه من عنفٌ وصراعٌ إلى أراضيها عبر البحر الأحمر.
وأما الإمارات، فإنها ترى في السودان جسراً لها إلى سائر إفريقيا، ولا سيما منطقة الساحل الغنية بالموارد.
فتقول خلود لمجلة «أفريكا ريبورت»: ”تُوسِّع الإمارات منذ مدة نفوذها في منطقة الساحل، ولذلك تهتم بالسودان وقوات الدعم السريع، إذ تُعد قوات الدعم السريع تنظيماً عابراً للحدود أكثر منها فصيل عسكري.“
وخلاصة القول، كما يقول هدسون، أن الدعم الخارجي ساهم في تأجيج الصراع في السودان، ولا يبدو أن الحرب ستضع أوزارها عن قريب.
وأضاف لمجلة «أفريكا ريبورت»: ”كان من المحتمل أن تنتهي هذه الحرب منذ زمن طويل لولا الإمدادات الخارجية من الأسلحة.“
