وقع في بوركينا فاسو كمينٌ إرهابيٌ في عام 2022، استهدف قافلة تضم 200 مركبة قرب جيبو، وأسفر عن مقتل العشرات، وأثار اضطرابات سياسية بلغت أوجها بانقلاب عسكري. وفي أقصى الشرق منها، وفي ولاية بورنو النيجيرية، يستخدم الإرهابيون الألغام الأرضية والعبوات الناسفة محلية الصُنع لشل الحركة على طريق مايدوغوري-مونغونو السريع، فقطعوا طريق الوصول للأسواق وأجبروا المدنيين على الاحتماء في «معسكرات محصَّنة».
وفي منطقة موبتي في مالي، دمَّر الإرهابيون جسوراً لعزل بلدات بأكملها. ودمَّر الإرهابيون في منطقة سيكاسو في تشرين الأول/أكتوبر 2025 قافلةً تضم نحو 50 شاحنة وقود كانت قد دخلت مالي من ساحل العاج.
وهذه الحوادث إنما تكشف عن حقيقة تسطع كالشمس في كبد السماء يوماً تلو الآخر: وهي أن البنية التحتية للنقل في غرب إفريقيا أمست هدفاً وسلاحاً في آن واحد. فقد عكف بحثٌ جديدٌ أجراه المؤلفون على تحليل ما يزيد على 58,000 حادثة عنف سجَّلها مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها في 17 دولة، وكشف أن ما يقرب من ثلثي جميع الهجمات تقع في نطاق كيلومتر واحد من الطريق، ويؤكد البحث كم أن السيطرة على الأراضي مرهونةٌ بالسيطرة على الطرق.

طرق غرب إفريقيا الجريحة
الطرق شرايين الدولة، فعليها تُنقل البضائع والقوات والنفوذ. ولكن يتصف معظم أرجاء منطقة الساحل ومحيطها الساحلي بتدهور الطرق وقلة شبكات النقل، فصار النقل فيها مغامرةً محفوفةً بالمخاطر.
تشتد أعمال العنف على طول الممرات الرئيسية التي تربط العواصم الهشة بالحدود القاصية، فالطريق السريع الذي يربط بين موبتي وغاو في مالي بطول 640 كيلومتراً يُعد أكثر طريق تُسفك عليه الدماء في منطقة الساحل، إذ وقعت عليه أكثر من 400 حادثة عنف منذ عام 2012. ووقع على الطريق المحيط ببامندا في شمال غربي الكاميرون الناطق بالإنجليزية أكثر من 700 هجوم منذ عام 2018، وذلك جرَّاء أعمال العنف على يد الانفصاليين.
ويتضح نمطٌ أكبر في هذه البؤر، فقد توصَّل بحثنا إلى أن أعمال العنف تقل بشدة عند البعد عن شبكة الطرق: إذ يقع %65 من حوادث العنف في نطاق كيلومتر واحد من الطريق، و%4 فقط على بُعد أكثر من 10 كيلومترات. ويكاد يكون هذا النمط ثابتاً سواءً أكانت أعمال العنف تنطوي على كمائن أو عبوات ناسفة أو هجمات على المدنيين.
وتُعد سبل الإمداد والتموين من أسباب ذلك، فقوات الأمن والمدنيون مضطرون إلى سلك ممرات النقل الضيقة نفسها لنقل الأفراد والإمدادات، ويستغل الإرهابيون هذه القدرة على التنبؤ، فينصبون الكمائن لهم، أو يزرعون المتفجرات على الطرق المعبدة، على قلتها. كما تعتمد البلدان على هذه الممرات نفسها لإعادة فرض سيطرتها، فتسير في حلقة مفرغة من سفك الدماء تجعل التنقل نفسه مصدراً لانعدام الأمن.

من الحواضر إلى النجوع
كما أن الانتشار الجغرافي لأعمال العنف يتغير، فقد تركزت الهجمات حول المدن والطرق السريعة الرئيسية في المراحل الأولى من الحركات المتمردة في المنطقة، ثم أخذت الجماعات الإرهابية مع توسعها تتحرك في أعماق الدولة وتشن هجماتها في المناطق الريفية.
فلما بلغت أعمال العنف ذروتها في المناطق الحضرية في غرب إفريقيا في عام 2011، كان ما يقرب من %90 من جميع الهجمات يقع في نطاق كيلومتر واحد من الطرق. ثمَّ انخفض هذا العدد بحلول عام 2024 بنحو الثلث. ويعكس هذا التحول ما نسميه «ريفية الصراع»: ذلك التحول الذي شجع الجماعات الإرهابية والمتمردة على البحث عن ملاذ ودعم في مجتمعات نائية بعيدة عن يد الحكومات المركزية.
ولكن تظل طرق النقل بالغة الأهمية حتى مع اتساع رقعة المواجهة خارج المناطق الحضرية، فلا تزال الكمائن الريفية والألغام الأرضية وهجمات القوافل تعتمد على الوصول إلى الطرق، وتستغل الجماعات المسلحة سيطرتها على النقل لفرض ضرائب على التجار، وفرض الحصار، والتضييق على المدنيين في تحركاتهم.
ولنا عِبرة في حصار جيبو في شمال بوركينا فاسو، فقد طوَّقها الإرهابيون من عام 2020 إلى عام 2024، وقطعوا جميع الطرق الرئيسية المؤدية لها، ومنعوا وصول المواد الغذائية أو الطبية إلا عن طريق الجو. ولقي مئات المدنيين حتفهم، وتسببت عزلتها في تأجيج اضطرابات سياسية زعزعت استقرار البلاد وقيادتها. وجعل المتشددون من الحصار منذ ذلك الحين من أبرز تكتيكاتهم في وسط مالي وجنوبها وغربها، وأثر ذلك على كايس وموبتي ونيورو وسيغو وسيكاسو والعاصمة باماكو.

جغرافيا الخطر الجديدة
تتصف عدة ممرات في غرب إفريقيا بخطورتها البالغة.
مالي: تشيع الكمائن والعبوات الناسفة على الطريق الوطني «آر إن 16» الممتد بين موبتي وغاو، والطريق «آر إن 17» المؤدي إلى حدود النيجر، وتزايد عدد الهجمات التي وقعت بين باماكو والحدود الجنوبية مع ساحل العاج على الطريق «آر إن 7» الذي يُنقل عليه معظم النفط المستهلك في مالي.
بوركينا فاسو: لا يزال الطريق «إن 3» الذي يربط بين جيبو ودوري بالقرب من حدود مالي من أخطر الطرق بسبب سعي الإرهابيين منذ سنوات لحصار المدن الكبرى.
نيجيريا: تعرَّض الطريقان السريعان «إيه 3» و«إيه 4» المتفرعان من مايدوغوري، والطرق المؤدية إلى باما وداماتورو، لمئات الهجمات، واستخدم المتشددون في هجماتهم العبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق والكمائن المتنقلة.
وقد كشف بحثنا أن هذه النقاط تتماثل مع المناطق التي تضعف فيها قبضة الدولة وتشتد صعوبة الانتقال من مكان لآخر. ويتفاقم انعدام الأمن بسبب ضعف البنية التحتية. يمكن أن يتسبب حصارٌ واحدٌ أو تدمير جسرٍ واحدٍ في عزل مناطق بأكمها بسبب قلة الطرق الصالحة للربط بين المدن الرئيسية.
الكمائن والعبوات الناسفة
تُعد كثرة الكمائن من أبرز التطورات في الصراعات العديدة المستعرة في منطقة الساحل، فقد سُجل فيها 60 كميناً أو أقل بين عامي 2000 و2011، ثمَّ بلغوا 260 كميناً سنوياً بحلول 2023.
لا تقتصر غاية الجماعات الإرهابية من الكمائن على قتل الجنود والاستيلاء على الأسلحة، بل وغايتها بث الرعب وتعطيل سبل الإمداد والتموين العسكرية. وكثيراً ما تقع الهجمات في مناطق قليلة السكان، تسير فيها القوافل ببطء، وتكون الرؤية فيها محدودة. فقد أسفر كمينٌ نصبه المتمردون الطوارق في مالي في عام 2024 عن مقتل أكثر من 100 جندي مالي ومرتزقة من مجموعة فاغنر بالقرب من منطقة تين زواتين القريبة من الحدود الجزائرية.
وأمست العبوات الناسفة من التهديدات المتنامية الأخرى، وتُعد مؤشراً على مدى ارتباط العنف بممرات النقل إذ يشيع زرعها بالقرب من الطرق. فقد وقع في بوركينا فاسو ومالي منذ عام 2021 أكثر من 100 انفجار بالعبوات الناسفة سنوياً، استهدف الكثير منها قوافل عسكرية أو إنسانية. ولا يقتصر تأثيرها على القتلى والجرحى، بل إن الألغام والمتفجرات تمنع المزارعين من فلاحة أرضهم وتخوِّف التجار من استخدام الطرق السريعة الإقليمية، فتزيد العزلة الاقتصادية وتشتد.

وكالة الأنباء الفرنسية/صور غيتي
حين تتحول الطرق إلى سلاح
والطرق عند الإرهابيين ليست هدفاً كسائر الأهداف، بل أداة من أدوات السيطرة، إذ تُقيم الجماعات المسلحة نقاط تفتيش في معظم أنحاء منطقة الساحل لفرض إتاوات على التجار ولمراقبة تحركات السكان. ويمكن لحاجز يُقام على طريق واحد أن يصبح مركزاً صغيراً للجمارك، أو موقعاً لنشر الدعاية، أو نقطة لنصب الكمائن.
ففي منطقة بحيرة تشاد، أجبرت هذه التكتيكات القوات النيجيرية في عام 2019 على حشد قواتها في معسكرات محصَّنة، فتركت مساحات ريفية شاسعة للمتمردين. ويمكننا أن نرى ديناميكيات مماثلة في تشاد والنيجر، حيث يستغل المتشددون شبكة الطرق المحدودة للسيطرة على الممرات الرئيسية.
وتتعمَّد الجماعات الإرهابية في بعض الأحيان تدمير الجسور والقنوات لعزل المجتمعات أو معاقبة السكان الذين تحسبهم من المتعاونين مع الحكومة، فقد دمَّر الإرهابيون جسرين في وسط مالي في منتصف عام 2021، فعزلوا قرىً بأكملها في موبتي وباندياغارا أكثر من عام، مما أجبر الأمم المتحدة على تمويل مشروع طارئ لإعادة إنشاء الجسرين، ولم يُكتمل بناء الجسرين الجديدين إلا في كانون الأول/ديسمبر 2022.
وكل هذا الخراب والدمار إنما يدل على القوة الرمزية والاستراتيجية للبنية التحتية للنقل. فقد أصبح التحكم في المسموح لهم بالتحرك وأين يتحركون وبأي تكلفة يتنقلون من أبرز عناصر السلطة السياسية في حروب المنطقة.
مفارقة البنية التحتية والأمن
يكشف البحث إحدى المفارقات، فالطرق التي تُمكِّن الدولة من فرض سلطتها هي التي تُعرِّضها للخطر. فالقوات الحكومية والمدنيون في ربوع المنطقة يعتمدون على بنية تحتية محدودة، ويستغل الإرهابيون ذلك لنشر الخراب والدمار بتكلفة زهيدة، فيوهنون القوات الحكومية باستمرار، ويهدمون ثقة الشعب في الأنظمة الحاكمة، ولا يضطرون إلى شن هجمات مباشرة على المدن الكبرى.
ومن ثمَّ، فإن الارتقاء بمستوى الأمن في غرب إفريقيا لا يقتضي الاستثمار في الجيوش وحدها، بل وفي النقل، فتوسيع شبكات الطرق وصيانتها سيُقلل من العزلة، ويُسهّل التجارة، ويسرع التدخل العسكري والإنساني. وكما نوَّه نادي منطقة الساحل وغرب إفريقيا التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن نقص وسائل النقل لا يزال من أكبر العقبات التي تعترض الأمن والتنمية.
فبعد 60 عاماً من الاستقلال، لا تزال مساحات شاسعة من المنطقة تفتقر إلى الطرق المعبدة التي تربطها بالعواصم الوطنية. وهذا يُشعر السكان بالتهميش، ويُهيئ بيئة خصبة للتمرد، وكلما استمرت العزلة، لم يكف المتمردون عن استغلال جغرافية الإهمال.
معركة التنقل
إن السيطرة على الطرق تعيد تشكيل جغرافية القوة في غرب إفريقيا، فصراعات المنطقة لا تقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل وتشمل القدرة على التنقل عليها.
ومن صحاري مالي إلى غابات نيجيريا، فإن كل هجوم على قافلة أو جسر ليس مجرد ضربة تكتيكية، بل اعتداءٌ على الخيط الهش الذي لا يربط الدول وحدها، بل والمنطقة بأسرها.
ولسوف تظل طرق المنطقة شريان حياة وساحة معركة في آن واحد إلى أن تؤمَّن وتسلم من الخطر.
نبذة عن المؤلفين: السيد ستيفن راديل، مستشارٌ في الأمن الدولي ورئيس شركة «جيوبابليك أناليتيكس»؛ والدكتور أوليفييه والتر، أستاذٌ مشاركٌ في قسم الجغرافيا بجامعة فلوريدا؛ والدكتور ألكسندر ثيرستن، أستاذٌ مشاركٌ في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة سينسيناتي.
