منذ نشوب الحرب الأهلية في السودان في نيسان/أبريل 2023، تزايد إنتاج المخدرات المُصنَّعة بشدة، مثل الكبتاغون، وهو منشط يشبه الأمفيتامين، لا يلبث من يتعاطاه أن يدمنه.
وبعد أن كان السودان مجرد معبر للمخدرات، فقد صار من منتجي الكبتاغون، وتزامن ذلك مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في عام 2024، إذ كان يُنتج فيها نحو 80% من هذا المخدر على مستوى العالم.
كشف تقريرٌ صادرٌ عن معهد نيو لاينز للاستراتيجيات والسياسات أن مصنِّعي الكبتاغون السودانيين قد زادوا من طاقتهم الإنتاجية، فقد صادرت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات السودانية في حزيران/يونيو 2023 موقعاً للتصنيع في منطقة النيل الأزرق، كان قادراً على إنتاج نحو 7,200 حبة في الساعة. وفككت السلطات السودانية في شباط/فبراير 2025 معملاً للإنتاج في ضاحية في شمال الخرطوم، كان قادراً على إنتاج 100,000 حبة في الساعة، وكانت المعدات المستخدمة في هذا المعمل شبيهة بالمعدات المصادرة في ضبطيات الكبتاغون في سوريا.
وكشفت القوات المسلحة السودانية العام الماضي عن عدة معامل لإنتاج الكبتاغون بعد استعادة السيطرة على الخرطوم من غريمتها قوات الدعم السريع شبه العسكرية.
وقال المرصد السوداني للشفافية والسياسات ”يُمثل تصنيع المخدرات التخليقية [المُصنَّعة]، بالنسبة للجهات المسلحة، ولا سيما قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر فيما سبق على مناطق اكتُشفت فيها مختبرات كبيرة، امتداداً منطقياً لحزمة مصادر الإيرادات غير المشروعة القائمة، التي تشمل تهريب الذهب والتجارة عبر الحدود وفرض الضرائب على نقاط التفتيش.“
وقد يعاني الذين يتعاطون الكبتاغون من الهلوسة والعدوانية والإدمان، ويُقال إنه شائع في مناطق الحرب، ووُصف بأنه مخدر «الشجاعة الكيميائية» الذي يمنح المقاتلين التركيز والطاقة والجلَد. ويقول المرصد إن معظم من يتعاطونه في السودان من الشباب، كما وردت تقارير عن ارتفاع معدلات تعاطيه بين مقاتلي الجيش والدعم السريع. ويُصنع من الفينيثيلين، وهو منشط مُصنَّع من نوع الأمفيتامين، محظور في عدة بلدان. ومن المعهود أن يُنتج الكبتاغون وغيره من المخدرات المُصنَّعة في السودان في مناطق متنازع عليها لا توجد فيها سلطة موحدة، فتتشجع الجماعات المسلحة على ممارسة أنشطتها غير المشروعة.
تقول المحللتان كارولين روز ورافايلا ليبشيتز في مقالٍ لهما في معهد نيو لاينز: ”يوفر إنتاج المخدرات المُصنَّعة والاتجار بها فرصة مغرية لتلك الجماعات، نظراً لبساطة إنتاجها نسبياً إذ يتطلب أقل القليل من الخبرة العلمية، وتوفر المواد الكيميائية الرخيصة والمتوفرة بسهولة، وعملية تصنيع سرية تساعد على التهرب من الرقابة، وإنتاج كمية كبيرة من الحبوب. فقد أرهقت الحرب موارد الميليشيات غير الحكومية والجماعات شبه العسكرية التي تدعمها الدولة، مما دفعها إلى البحث عن سبل جديدة لجني المال.“
يُستورد الكبتاغون وغيره من المخدرات، كالحشيش والميثامفيتامين الكريستالي والهيروين، ويُصدَّر من السودان عبر البحر الأحمر وعبر الحدود التي يسهل اختراقها لجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا. ومن المتعارف عليه أن إنتاج المخدرات المُصنَّعة يحتاج قطعة أرض صغيرة، وعمالة قليلة، ومعامل صغيرة نسبياً، مما يسمح للجماعات المسلحة بإنتاج كميات كبيرة بسرعة.
يقول الباحث تسغاب أميري في مقالٍ له بمجلة «إثيوبيان هورن ريفيو» إن إنتاج المخدرات المُصنَّعة ”يعتمد على سلائف كيميائية، ومكابس لتصنيع الحبوب، ومعامل، وحماية من الجماعات المسلحة.“ وأضاف: ”ويمكن توفير كل ذلك بين عشية وضحاها في الأماكن التي تضعف فيها سلطة الدولة المركزية أو تنعدم، ولقد هيأت الحرب الأهلية في السودان الظروف المثالية لإنشاء تخوم لتصنيع المخدرات في المعامل.“
ويُقال إن التعاطي مرتفع في مخيمات التهجير السودانية بسبب أهوال الحرب والهجرة، وانفصال العائلات، وعوامل أخرى. فقد عادت المواطنة رفيدة أبو بكر وزوجها وابنها معاذ مؤخراً إلى منزلهم في الخرطوم من مخيم للمهجَّرين في ولاية النيل الأبيض. وكان معاذ قد تعرَّف في المخيم على مجموعة من الشبان، وأدمن مخدر «الآيس»، وهو نوع من الميثامفيتامين.
وقد كان قبل ذلك شاباً مبتهجاً مقبلاً على الحياة في قسم الهندسة المدنية، بكلية الهندسة جامعة السودان، وصار بعد الإدمان سريع الغضب، ويحب العزلة عن الناس. وقد قلت سبل الاستفادة من خدمات الرعاية الطبية بشدة في ربوع السودان بسبب الهجمات التي طالت المستشفيات والمراكز الطبية. ولكن عثرت رفيدة على «مستشفى التجاني الماحي للأمراض النفسية والعصبية» في الخرطوم. وقد كان من المقرر هدم المستشفى في عام 2024 بسبب الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، ولكن أعاد متطوعون بناءه.
وقالت رفيدة للجزيرة: ”سمعنا أن المستشفى قد أُعيد افتتاحه، وأطلق مبادرة لعلاج مرضى الحرب ومن يعانون من الصدمات النفسية والإدمان، وصرنا منذ تشرين الثاني/نوفمبر نتردد عليه كل أسبوعين، والعلاج مجاني، وأشعر بتحسن طفيف في حالة ابني، وهذا خفف عني بعض الشيء.“
ومع أن الحرب قد أعاقت جهود مكافحة المخدرات، فقد سجل السودان في كانون الثاني/يناير إحدى أكبر ضبطيات المخدرات في تاريخه، إذ أسفرت عمليات مكافحة التهريب عن ضبط ما يقارب نصف طن من المواد المخدرة بعد مطاردة في البحر الأحمر. وشملت المضبوطات 384 كيلوغراماً من الميثامفيتامين الكريستالي، و27 كيلوغراماً من الهيروين، و42 كيساً من المخدرات السائلة، و15 كيساً من القات، وهو منشط يُستخرج من شجيرة مزهرة ودائمة الخضرة تنمو في شرق إفريقيا والجزيرة العربية.
