أكثر من ثلث مشاريع تطوير الموانئ الإفريقية فيها شركات صينية، وكما نوَّه مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، فإن هذه الشركات تهيمن في بعض الحالات على عملية تطوير الموانئ برمتها، ابتداءً بالتمويل، ومروراً بالإنشاء، وانتهاءً بالتشغيل، ويكون لها أحياناً نصيبٌ في ملكيتها.
يُعد تطوير الموانئ ركناً من أركان مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها بكين. فقد قامت بتمويل أو إنشاء أو تشغيل 78 ميناءً تجارياً في إفريقيا أو امتلاك حصة فيها.
قالت السيدة إيرينا تسوكرمان، رئيسة شركة «سكاراب رايزينغ» والباحثة في معهد شبه الجزيرة العربية، لصحيفة «إيست أفريكان» الكينية: ”تهتم الصين بالموانئ الإفريقية لسبب بسيط، ألا وهو موقعها الاستراتيجي في الممرات التجارية الحيوية، فلا تزال معظم الصادرات والواردات الإفريقية تُنقل بحراً، وأسرع طريقة للتحكم فيها هي تطوير الموانئ التي تُجرى فيها عمليات التخليص الجمركي والتخزين والتسعير والتوجيه.“
يقول محللون إن تدخل الصين في الموانئ الإفريقية يثير بواعث القلق بشأن استخدامها لأغراض عسكرية؛ ذلك لأن الموانئ التي تدعمها بكين مناسبة للاستخدامات التجارية والعسكرية على السواء.
فقال السيد بول نانتوليا، الباحث المشارك في مركز إفريقيا، لمجلة «إنجينيرينغ نيوز ريكورد»: ”تصميم سبعة موانئ إفريقية على الأقل تدعمها الصين يجعلها قادرة على استيعاب منشآت بحرية صينية، وإن لم تكن قد أُنشئت في الأصل لهذا الغرض.“
وضرب مثلاً بميناء لواندا في أنغولا، فهو قادرٌ على استقبال أي من القطع الحربية الصينية الكبرى، وبميناء والفيس باي في ناميبيا، فهو قادرٌ استقبال ما يصل إلى ثماني مدمرات صينية مزودة بصواريخ موجهة، وبميناء فيكتوريا في سيشيل، فهو قادرٌ استقبال ما يصل إلى فرقيطتين صينيتين؛ والفرقيطة (الكورفيت) عبارة عن بارجة حديثة مخصصة للقتال الساحلي.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية لميناء مومباسا في كينيا أن حوضه العسكري الذي يبلغ طوله 245 متراً قادرٌ على استقبال فرقيطتين وأي سفينة حربية، ومنها بعض المدمرات المزودة بصواريخ موجهة.
وكشف بحثٌ نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة بالمملكة المتحدة في عام 2024 أن الصين تحرص على أن تُراعى في جزءٍ كبيرٍ من مشاريع الموانئ التي تتولى إنشاءها مواصفات ”الاستخدام المزدوج للموانئ لتجنب شكوك الغرب بشأن تعزيز قدراتها البحرية.“ وجاء في البحث: ”تُشيَّد الموانئ التي تمولها الصين لاستيعاب التجارة، ولكن يمكن تحويلها، مع ما في ذلك من مخاطر وتعقيدات جمة، إلى استخدامات عسكرية، إذ روعيت المواصفات العسكرية في تصميم أعماقها ومناطق الإنزال والرسو فيها.“
وذكر تقرير الدفاع الصيني لعام 2019 أن المسؤولين البحريين يعملون على إنشاء ”مرافق إمداد وتموين خارجية لمعالجة أوجه القصور في العمليات الخارجية“، ونادى بالتحول من ”الدفاع النشط بالقرب من السواحل إلى عمليات المناورة في أعالي البحار.“
وهنالك سابقة قامت فيها الصين بإنشاء ميناء إفريقي لأغراض تجارية في ظاهرها، وعسكرية في باطنها. فعند افتتاح ميناء دوراليه الذي أنشأته في جيبوتي في أيَّار/مايو 2017، تبادل السيد إسماعيل عمر جيلي، رئيس جيبوتي، والممثلون الصينيون عبارات الثناء والإشادة بهذا الإنجاز. وتستطيع البحرية الصينية من ميناء دوراليه أن تشرف على مضيق باب المندب الذي يمر عبره ما يُقدَّر بنحو 12.5% إلى 20% من التجارة العالمية سنوياً.
وبعد ذلك بشهرين، اجتمع لفيفٌ من كبار الشخصيات من جيبوتي والصين مجدداً للاحتفال بإنشاء أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج، على بُعد بضع دقائق من الميناء، وقد بُنيت هذه القاعدة لصالح البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، ويُقال إن رصيفاً واحداً على الأقل من أرصفة الميناء مخصصٌ للبحرية الصينية دون سواها.
وتقول الباحثة مونيكا وانغ في مقالٍ لها بمجلة مجلس العلاقات الخارجية: ”ينم قرب الميناء من القاعدة عن تكامل المصالح التجارية والعسكرية الصينية في إطار استراتيجية لبسط النفوذ في الخارج، ولئن تظاهرت بكين بعدم التدخل.“
وقال نانتوليا لمجلة «إنجينيرينغ نيوز ريكورد» إنه رصد أكثر من 10 حالات رست فيها سفنٌ عسكرية صينية في سبعة موانئ إفريقية مختلفة في السنوات الأخيرة، منها ميناء دوراليه في جيبوتي، وميناء لاغوس في نيجيريا، وميناء دربان في جنوب إفريقيا، وميناء دار السلام في تنزانيا.
وقال: ”أعتقد أن الصين من المؤكد أنها ستُنشئ قاعدة عسكرية جديدة في إفريقيا، ولكن لا يسهل التكهن بالميناء الذي ستختاره لهذا الغرض.“
