لطالما استغلت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الغابات للاختباء بها وتخزين الموارد الطبيعية فيها وإنشاء قواعد لها. وذكرت مؤسسة أوبزرفر للبحوث أنها تستكثر من استخدامها للتجنيد والتمويل والتهريب والإمداد والتموين وتنظيم الحكم الموازي.
ويقول محللون إن استخدام الغابات أدى إلى انتشار أعمال العنف على يد الإرهابيين كالنار في الهشيم في منطقة الساحل وزحفها إلى مناطق جديدة في غرب إفريقيا، على يد جماعات مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة، وولاية تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل (داعش الساحل)، وجماعة بوكو حرام. ففي شباط/فبراير، قتلت جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد، التابعة لبوكو حرام، نحو 200 شخص في هجوم على بلدة وورو بولاية كوارا كثيفة الغابات الواقعة غربي نيجيريا، وتقع وورو جنوب «متنزه كاينجي الوطني» مباشرةً، وهي محمية غابات تبلغ مساحتها 5,341 كيلومتراً مربعاً ومتاخمة لولاية النيجر.
وكتب السيد نامدي أوباسي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، قائلاً: ”ينم هذا الهجوم عن تنامي قوة الجماعات المتشددة حول «متنزه كاينجي الوطني».“
صار «متنزه كاينجي» يُعرف بسامبيسا الجديدة، نسبةً إلى غابة سامبيسا الواقعة في شمال شرقي نيجيريا. ولطالما كانت سامبيسا قاعدةً لجماعات مسلحة ومتطرفة شتى، من بينها جماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان ولاكوراوا ومحمودة. كما أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مؤخراً أنها تنشط في المنطقة التي احتُجزت فيها طالبات مدرسة شيبوك اللائي اختُطفن في عام 2014.
يقول السيد سمير بهاتشاريا، الباحث المشارك في مؤسسة أوبزرفر للبحوث، والسيدة شريستا ميدهي، الباحثة المتدربة في المؤسسة: ”ما عادت الغابات مجرد أوكار، بل أمست معاقل مختارة بحرص وروية لتمكين الجماعات المسلحة من الصمود أمام الضغوط العسكرية مع التغلغل في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية المحلية. ولذلك، وعلى خلاف الاعتقاد السائد، فإن هذه الظاهرة تنم عن خيار استراتيجي لا استغلال عابر للمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.“
وأوضحا أن في الغابات مزايا كثيرة للجماعات الإرهابية، إذ يحميها حراس مسلحون تسليحاً خفيفاً يُقدمون حماية البيئة على مكافحة الحركات المتمردة، وينصبون فيها الكمائن أسرع من البيئات الحضرية بفضل كثافة غطائها النباتي وضعف بنيتها التحتية، ويعملون في اقتصادات غير مشروعة وغير رسمية قائمة منذ أمدٍ بعيد، مثل تهريب الوقود، والتنقيب الحرفي عن الذهب، ورعي الماشية، والصيد الجائر.
وكثيراً ما تستخدم الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية مجمع متنزهات «دبليو-آرلي-بنجاري» الواقع في بنين وبوركينا فاسو والنيجر؛ فيقع متنزه «دبليو» في الدول الثلاث، و«أرلي» في بوركينا فاسو، و«بنجاري» في بنين. وقد قُتل أكثر من 120 جندياً بالقرب من المثلث الحدودي في المجمع، وهو منطقة واسعة تلتقي فيها حدود الدول الثلاث، بين عامي 2021 و2024.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، قُتل ما يقرب من 30 جندياً بالقرب من المثلث الحدودي في شمال بنين. وبعد ذلك بأربعة أشهر، قتلت جماعة نصرة الإسلام ما لا يقل عن 54 جندياً بنينياً في هجوم في شمال بنين، بالقرب من الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا. وعقب ذلك الهجوم، ندَّد السيد ويلفريد لياندر هونغبيجي، المتحدث باسم الحكومة البنينية، بانعدام التعاون مع دول الجوار في مكافحة الجماعات المتطرفة.
وقال في تقرير مشترك أعده موقع «أفريكا نيوز» ووكالة أنباء «آسوشييتد بريس»: ”تقع النقاط التي حدثت فيها هجمات 17 نيسان/أبريل على الحدود، فيمكن أن تفهموا إذن أنه لو كانت هناك قوة مثل قوتنا على الجانب الآخر من الحدود، لما وقعت هذه الهجمات بهذه الطريقة، أو لما حدثت أصلاً.“
وذكر السيد بابا سو، الباحث في معهد دول الشمال لإفريقيا، أن مجمع متنزهات «دبليو-آرلي-بنجاري» يعاني من أعمال العنف منذ نحو عقد من الزمان.
وقال في مقالٍ له على موقع «كونفرسيشن»: ”يُنذر الصراع باجتياح المحمية بسبب التوغل المستمر للجماعات المسلحة غير الحكومية، إذ تُنهب موارد الغابات، ويُهجَّر السكان الذين يعيشون بالقرب من المناطق المحمية.“
وقد استغل داعش الساحل وجماعة نصرة الإسلام متنزهات «دبليو-آرلي-بنجاري» لتجنيد مقاتلين ومؤيدين من جماعات ذات هويات لغوية وثقافية متنوعة في المناطق الحدودية، مثل الفولانيين والغورمانيين والجيرمانيين والباريبايين.
وذكر السيد هِني نسايبيا، المحلل الأول في مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها، أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وإذ تعزز وجودها حول المجمع وعلى طول نهر النيجر، فقد اتسع نطاق تجنيدها ليشمل من يقطنون حول المتنزهات وعلى ضفاف نهري النيجر وميكرو. كما استقطبت كلتا الجماعتين قطاع طرق محليين لزيادة عدد عناصرها.
ويقول نسايبيا: ”إن السيطرة على طرق التجارة غير المشروعة قد ربطت سبل الرزق والاقتصادات المحلية بوجود الجماعات المتشددة؛ ولا سيما طرق تهريب الوقود الذي يربط شمال غربي نيجيريا وشمال وسطها بالبلدات النهرية في النيجر وبنين، وغيرها من المناطق المحيطة بمتنزهات «دبليو-آرلي-بنجاري».“
ومن الغابات والمحميات الأخرى في المنطقة التي يستخدمها الإرهابيون هي تلك الموجودة في شمال كوليكورو وغرب سيغو في مالي (وتسيطر فيها جماعة نصرة الإسلام على مساحات شاسعة) ومنطقة دوسو في جنوب غربي النيجر (وينشط فيها كلٌ من داعش الساحل وجماعة نصرة الإسلام، لا سيما بالقرب من حدود بنين ونيجيريا) وعلى حدود بوركينا فاسو الجنوبية مع ساحل العاج (وتسيطر فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب).
