تقف البلدان الإفريقية على جبهات التصدي للهجمات السيبرانية في ظل انتشار الإنترنت فيها كالنار في الهشيم وضعف دفعاتها السيبرانية المزمن، فصارت بمثابة منارة لتحذير الغير، ويمكن أن تغدو نموذجاً لابتكار أساليب لمواجهة مثل هذه الهجمات.
تقول السيدة كيريسا فارما، المستشار الأمني الأول في مايكروسوفت لإفريقيا، في تحليلٍ نُشر مؤخراً: ”تتمتع إفريقيا بفرصة فريدة للريادة في مكافحة التهديدات الجديدة، فيكون لها نصيبٌ في رسم مستقبل الدفاع السيبراني.“
تتعرَّض البنية التحتية الإلكترونية في إفريقيا يومياً لمئات الآلاف من محاولات الهجمات السيبرانية، وكانت إثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان أكثر البلدان المستهدفة في عام 2025. وذكر محللون أن سرعة انتشار الإنترنت في جنوب السودان جعله محط أنظار المخترقين الذين يستهدفون قطاع النفط والقطاع المصرفي فيه، وكثيراً ما تُصمم هذه الهجمات باستخدام تقنية ذكاء اصطناعي تحاكي أناسٍ حقيقيين لخداع المستهدفين وحملهم على تشغيل برامج خبيثة.
يقول المحلل كينغ ريتشارد إيغيموه في مقالٍ له مؤخراً على موقع «إفريقيا للدفاع والأمن»: ”كانت كل هذه التهديدات حافزاً على تشكيل وحدات قيادة سيبرانية، تجمع بين الخبرة العسكرية والإشراف المدني للتخفيف من المخاطر ورفع القدرة على الصمود.“
الغالبية العظمى من الهجمات السيبرانية التي تحدث في أرجاء إفريقيا إنما تستهدف الأنظمة المالية فيها، ولكن صار المهاجمون يلهثون وراء المرافق العامة والشركات الفردية لاستهدافها ببرامج الفدية أو هجمات حجب الخدمة. فأما برامج الفدية، فإنها تغلق النظام حتى يفتديه صاحبه بالمال. وأما هجمات حجب الخدمة، فإنها تُغرق المواقع الإلكترونية بحركة مرور وهمية، فتعطلها.
يقول «تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2025» الصادر عن الإنتربول إن الجرائم السيبرانية تمثل في غرب إفريقيا وشرقها ما لا يقل عن 30% من إجمالي الجرائم المُبلَّغ عنها، وأمست نيجيريا، وفيها أكبر عدد من رواد الإنترنت في القارة، مصدراً رئيسياً للهجمات السيبرانية ومن ضحاياها. لكنها أصبحت أيضاً نموذجاً يُحتذى به في التصدي لها بفضل الهيئة الوطنية لتطوير تكنولوجيا المعلومات وهيئة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية.
وفي بلدانٍ في شمال إفريقيا وجنوبها بعضٌ من أكثر أنظمة الدفاع السيبراني تطوراً في القارة، لكنها ما زالت لا تسلم من هجمات لا تتوقف قط، ومثال ذلك أن 13% من إجمالي الهجمات السيبرانية في القارة قد حدثت في مصر. كما أن عمليات انتحال الصوت والفيديو بتقنية التزييف العميق المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تستهدف رواد الإنترنت في جنوب إفريقيا مراراً وتكراراً.
ويقول الإنتربول إن معظم البلدان الإفريقية لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية لمكافحة الجرائم السيبرانية مع أنها في تزايد.
وقال في تقريره: ”شيوع الهواتف الذكية جعل المنصات المحمولة من الأهداف الرئيسية لمجرمي الإنترنت، لا سيما في المناطق التي تنتشر فيها الخدمات المصرفية الهاتفية.“
وأوضحت فارما أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُشكِّل 90% من الشركات الإفريقية، صارت لقمة سائغة لمجرمي الإنترنت لأن أصحابها كثيراً ما يستخدمون الأجهزة المحمولة لإدارة أعمالهم ويفتقرون إلى التدريب اللازم لمنع اختراقاتها، وأن معدل الهجمات على هذه الشركات قد يتجاوز ضعف معدل الهجمات التي تستهدف الشركات الكبيرة.
وتقول: ”يمكن أن يكون لاختراق شركة صغيرة أو متوسطة واحدة تداعياتٌ على سلاسل الإمداد أو الشبكات المالية، بل والخدمات الحكومية، فلا بدَّ من تأمين الشركات الصغيرة والمتوسطة لتأمين النظام الرقمي الأوسع في إفريقيا، وبالتالي الإسهام في تعزيز الدفاعات العالمية من خلال تبادل هذه المعلومات مع المتعاونين الدوليين.“
وبينما لا تزال إفريقيا حقلاً لاختبار الهجمات السيبرانية الجديدة، فقد بات مواطنوها وشركاتها، كما يقول محللون، وكأنهم نظام إنذار مبكر عالمي، لا سيما فيما يتعلق بالهجمات المتطورة والمولَّدة بالذكاء الاصطناعي لخداع المستخدمين وحملهم على تفعيلها.
وتقول فارما: ”ما عادت الشركات الصغيرة والمتوسطة في إفريقيا تنتظر حلول الأمن السيبراني ولا تفعل شيئاً، بل أمسى لها أثرٌ واضحٌ في بناء مستقبل رقمي أكثر أماناً، وصارت في موقعٍ فريدٍ لتحديد الأيادي الآثمة في التهديدات الإقليمية والأساليب التي تتبعها.“
ولا غناء عن التعاون بين الشركات وعبر الحدود للتصدي لهذه التهديدات السيبرانية قبل أن يستفحل خطبها، ويقول الإنتربول إن البلدان الإفريقية لا تزال مقصرة في ذلك.
ولكن ثمة بوادر تبعث على التفاؤل، فقد عزَّزت نيجيريا، على سبيل المثال، تعاونها مع الشركاء الدوليين بتبادل المعلومات الاستخبارية بموجب إطار عمل الاتحاد الإفريقي للأمن السيبراني.
إن الاستثمار في استراتيجيات الدفاع السيبراني الحديثة يمكن أن يساعد البلدان الإفريقية على تصدُّر الجهود العالمية الرامية إلى التصدي للتهديدات الإلكترونية سريعة التطور.
فتقول فارما: ”إن روح الابتكار هذه، مع تبادل بيانات التهديدات لحظة بلحظة عن التكتيكات الناشئة مع النظراء الإقليميين والمجموعات الصناعية والحكومات قد يكون لها عظيم الأثر، على القارة الإفريقية، وعلى العالم أجمع.“
