ترددت مزاعمٌ عن تهريب كمية من الأسلحة، فأشعلت حرباً كلامية جديدة بين إريتريا وإثيوبيا، ويهدد هذا النزاع المحتدم منذ أمد طويل بجر قوىً إقليمية وإغراق منطقة القرن الإفريقي في صراع جديد.
فقد أعلنت الشرطة الاتحادية الإثيوبية يوم 14 كانون الثاني/يناير عن اعتراض شاحنة في وولديا تحمل 57,000 طلقة نارية، وزعم مسؤولون إثيوبيون أن الذخيرة قادمة من إريتريا، وكانت متجهة إلى الفانو، وهي ميليشيا من الأماهرة تشن حرباً على الحكومة الإثيوبية.
وقالت الشرطة الإثيوبية في بيانٍ لها إن إريتريا ضُبطت”متلبسة“ إذ تحاول تسليح المتمردين وزعزعة استقرار الوطن.
وردَّ وزير إعلام إريتريا بكلام غاضب، فقال إن هذه المزاعم ”كلام باطل“ وذريعة لغزو إريتريا واستعادة المنفذ البحري على البحر الأحمر. وأضاف أسياس أفورقي، رئيس إريتريا، أن بلاده لا تريد الحرب، لكنه قال: ”نعرف كيف ندافع عن وطننا.“
اشتدت التوترات بين البلدين في الأشهر الأخيرة بعد أن أعلنت إثيوبيا رغبتها في السيطرة على ميناء عصب شرقي إريتريا، إذ كان هذا الميناء من أعمدة اقتصاد إثيوبيا حتى عام 1991، حين نالت إريتريا استقلالها، فأصبحت إثيوبيا دولة حبيسة لا سواحل لها على البحر. وهو ميناءٌ عميق، به سبعة أرصفة، واستخدامه قليل اليوم، ولا يبعد سوى 75 كيلومتراً عن الحدود الإثيوبية، إلا أن إثيوبيا تنقل 90% من بضاعتها التي تصل إلى الموانئ عبر جيبوتي.

رئاسة جمهورية مصر العربية
وقد تسببت وسائل الإعلام الرسمية والسياسيون الإثيوبيون في تأجيج الغضب الشعبي، إذ يقولون إن من حقهم أن يعود الميناء إليهم، فصرَّح اللواء تيشومي غيميشو، وهو من القادة البارزين في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، بأن السيطرة على الميناء ”أمست ضرورة لبقائنا، تستحق أن ندفع في سبيلها أي ثمن.“ وقال آبي أحمد، رئيس الوزراء، إن”خطأ“ فقدان المنفذ البحري على البحر الأحمر سوف ”يُصحح.“
وقد انخرطت في النزاع قوىً خارجية. فأفادت صحيفة «ذا ناشيونال» الصادرة في أبوظبي في كانون الأول/ديسمبر 2025 أن مصر وقَّعت اتفاقية لتطوير ميناء عصب وتوسيع طاقته الاستيعابية لإنشاء أرصفة لاستقبال السفن الحربية، وورد أن مصر وقَّعت اتفاقية مماثلة مع جيبوتي لتوسيع ميناء دوراليه.
وذكرت صحيفة «أديس ستاندرد» أن ”الاتفاقيتين تنصان على تطوير البنية التحتية لتمكين البوارج المصرية، مثل المدمرات والغواصات وناقلات الجنود والمروحيات، من التزود بالوقود والمؤن في الميناءين.“
وتتنازع مصر وإثيوبيا على إنشاء سد النهضة، إذ تقول مصر إنه يسد مجرى نهر النيل ويقلل حصتها في المياه العذبة، وقد تقاربت مصر مع إريتريا خلال العام الماضي، ومن ذلك المحادثات الثنائية التي أُجريت بين زعيمي البلدين في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ومن شأن وصول مصر إلى ميناء عصب أن يمنحها أفضلية استراتيجية إذا ما نشبت حرب.
وعلى الرغم من التلويح بالقوة، قد تحدَّث الصحفي مارتن بلاوت، المتبحر في شؤون المنطقة، عن عدم وجود ما يدل على حشد القوات على طول الحدود المشتركة بين إثيوبيا وإريتريا. لكنه نوَّه إلى أن إثيوبيا دأبت على استعراض جندها وعتادها على التلفزيون الرسمي في استعراض واضح لقوتها.
وذكر أن المشير الإثيوبي برهانو جولا قال لجنوده في خريف العام المنصرم: ”سنعزز قواتنا الدفاعية، ونسرِّع وتيرة التنمية، ونحصل على منفذ بحري.“
وحذَّر السيد محمد خير عمر، الباحث والكاتب المتخصص في شؤون القرن الإفريقي، من ”انزلاقٍ“ نحو الحرب إذ يتمادى كلا الزعيمين في الوعيد والتعنت، وقال إن ميناء عصب، وإن كان مجرد نقطة صغيرة على الخريطة، فقد صار في نظر البلدين ”قدراً مقدَّراً.“
وقال في مقالٍ له في مجلة «نيو لاينز»: ”عندما يرى كلٌ منهما أن السبيل للحفاظ على الذات في اتجاه معاكس للآخر، تتحول الأرض بينهما إلى حقل ألغام، ولا يكمن الخطر في التخطيط المسبق للحرب، بل في الانزلاق إليها: أي تقارب عدة عوامل تشعل الحرب في وقت ما، ولا يستطيع أي زعيمٍ إيقافها ما إن تشتغل.“
