كانت المدعوة بولينا ألكساندروفنا أزارنيخ قبل غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 تدير مجموعة على فيسبوك لمساعدة الطلاب العرب على السفر إلى موسكو للدراسة، ثم تركت التعليم وتولت عملاً أدهى وأمر، وهو خداع الأفارقة وإجبارهم على القتال في صفوف روسيا على جبهات الحرب في أوكرانيا.
قال الصحفي ريان معروف لهيئة الإذاعة البريطانية:”تعمل على توفير متطوعين للجيش الروسي، وأنشأت مجموعة على التلغرام للترويج لنفسها، وتنشر معلومات عن كيفية الالتحاق بالجيش الروسي. … ولها معارفٌ في كل دولة، تستغلها في التجنيد.“
تعاقدت وزارة الدفاع الروسية مع متخصصين غير رسميين في التجنيد في بقاع شتى من العالم منذ بداية غزوها، وتعمل أزارنيخ في منطقة بريانسك، المُتاخمة لأوكرانيا من شمالها. وقال بعض من جنَّدتهم لهيئة الإذاعة البريطانية إنها تحصل على 300 دولار من السلطات الإقليمية الروسية عن كل رجل يوقع عقداً عسكرياً، وقال أحدهم إنها طلبت منه 3,000 دولار من مكافأة توقيعه على العقد البالغة 5,000 دولار لتكليفه بعمل غير قتالي، لكنه خضع لتدريب أساسي لمدة 10 أيام، ثمَّ أُرسل إلى الجبهة على أي حال.
وقال آخر لهيئة الإذاعة البريطانية: ”لا نعرف اللغة، ولا نفهم شيئاً مما يقولونه لنا، فهذه المرأة محتالة وكاذبة.“
تُسمى قناة أزارنيخ على التلغرام «صديق روسيا»، وازداد عدد مشتركيها من نحو 1,100 مشترك في أيلول/سبتمبر 2024 إلى نحو 21,000 هذا العام، وكثيراً ما تشجع متابعيها على تقديم طلب للانضمام إلى الجيش الروسي بإرسال صورة لجواز سفرهم، ثم تنشر وثائق الدعوة باسم أو بقائمة أسماء المدعوين.
وقد أجرت هيئة الإذاعة البريطانية تحقيقاً على مدار عام كامل، نُشر يوم 12 كانون الثاني/يناير، كشفت فيه عن أكثر من 490 دعوة أرسلتها أزارنيخ في عام 2025 إلى رجالٍ من بلدان مثل ساحل العاج ومصر والمغرب ونيجيريا. ويوقع المقاتلون الأجانب عقوداً صادرة عن وزارة الدفاع، ويكذب العديد من القائمين بالتجنيد، مثل أزارنيخ، إذ يروجون إلى أن العقد يسري لمدة عام واحد فقط، ولكن أعلن فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، في أيلول/سبتمبر 2022 أن جميع الجنود عليهم الخدمة في الجيش حتى تضع الحرب أوزارها، وتُجدد العقود تلقائياً.
وقالت أزارنيخ في مقطع فيديو نشرته على قناتها على التلغرام في آب/أغسطس 2024: ”كنتم جميعاً تعلمون أنكم ذاهبون إلى الحرب، فعلامَ هذا التذمر؟ هل ظننتم أنكم ستحصلون على جواز سفر روسي، ولا تفعلون شيئاً، وتعيشون في فندق خمس نجوم؟ فهذا لا يكون يا رفاق، فلا شيء بلا مقابل.“
وتحدثت هيئة الإذاعة البريطانية مع 12 أسرة جنَّدت أزارنيخ أحد أبنائها، وكلهم إما في عداد الموتى أو المفقودين.
وقال أوليكسي، وهو قائدٌ في اللواء 157 الأوكراني، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية على مقربة من جبهات القتال في منطقة دونيتسك المحاصرة: ”ومن نكد العيش أن الروس يستخدمون كل ما لديهم ضدنا، فيتعاقدون مع المجنَّدين بطرق غير قانونية، عن طريق الخداع أو الوعود الزائفة بالحصول على الجنسية الروسية.“
ورسم أرتيم لوبنفسكي، وهو قائد كتيبة في اللواء 157، صورة أشد سواداً لهيئة الإذاعة البريطانية، إذ قال:”مصيرهم واحد، إما الأسر أو الموت.“
وأوضح المحلل دينيس مونيو، وهو متخصصٌ في الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، أن شبكات التجنيد التابعة لوزارة الدفاع بدأت باستهداف الطلاب الموجودين بالفعل في روسيا، وهددتهم بترحيلهم أو سجنهم إذا لم ينضموا. وما لبث الكرملين أن وسَّع نطاق تجنيده في العالم أجمع، فصار يبحث عن طلاب وشباب عاطلين عن العمل للقيام بمهام في قوات المشاة، وعن عناصر أمن سابقين يمكن نشرهم بأقل قدر من التدريب.
وقال لصحيفة «الغارديان» البريطانية: ”فهذه طريقة استراتيجية للغاية لتجنيد هؤلاء.“
ارتفع عدد الطلاب المصريين في روسيا تدريجياً منذ نشوب الحرب، فقد كانوا 2,300 طالب في عام 2018، ثم صاروا 16,000 في عام 2023، وفقاً لوزارة التعليم الروسية. وكشف تحقيقٌ أجراه موقع «مصراوي» الإخباري في أيلول/سبتمبر 2024 أن ما لا يقل عن 25 مجنداً مصرياً قد قُتلوا، ويشتد الغضب في مصر مع كل خبر عن شاب مصري يُصاب أو يُقتل أو يؤسر أو يصير في عداد المفقودين.
ونوَّهت الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، إلى أن أي مصري يخدم في جيش أجنبي يُعاقب بالسجن المؤبد عند عودته إلى الوطن. وقد سافر أحد طلابها، ويُدعى عمار محمد، إلى روسيا لاستكمال دراسته، ولكن انتهى به المطاف بالقتال في صفوف الجيش الروسي. وقد وقع في أسر القوات الأوكرانية منذ أكثر من عام.
وقالت لقناة «فرانس 24» في أواخر عام 2025: ”قد يُسجن مدى الحياة، فأنت مرتزق، مثلك مثل الإرهابي، وإذا عاد إلى مصر، سيُقبض عليه فيها.“
وقد اشترطت الحكومة المصرية في شباط/فبراير 2025 على المواطنين الراغبين في السفر إلى روسيا الحصول على تصريح أمني، كما أعلنت وزارة الداخلية أنها ستسحب الجنسية المصرية من أي مصري يقاتل في صفوف روسيا.
وقالت الشيخ: ”لطالما دأب الروس على تجنيد المرتزقة للقيام بأعمالهم القذرة، لأنهم لا يريدون إثارة المشكلات مع الرأي العام الروسي، أما هؤلاء الرجال، فلا يبالي بهم أحدٌ إذا ماتوا“
