يستغل الإرهابيون في تنظيمَي داعش والقاعدة وسائل الإعلام الاجتماعي منذ أكثر من عقد من الزمان لتجنيد عناصر جديدة ونشر دعايتهم لجمهور عالمي، وها هما وسائر الجماعات الإرهابية يُسخرون أدوات جديدة يمكنها تعزيز دعايتهم ولعلها تساعدهم في تنفيذ هجماتهم.
يسمح الذكاء الاصطناعي للإرهابيين بعمل دعاية محكمة، تنتشر على منصات مختلفة، ولا تحتاج إلا إلى قلة قليلة من الكوادر البشرية وموارد محدودة؛ إذ تساعدهم تقنية استنساخ الصوت، والتلاعب بالصور والفيديوهات، وإمكانية كتابة النصوص على تحريف الواقع واستغلاله بما يخدم معاني جديدة، فتكفيهم عناء كتابة نصوص طويلة وعمل فيديوهات من الصفر.
وما أيسر على الذكاء الاصطناعي أن يضع الكلمات في فم المشاهير والسياسيين والشخصيات البارزة في حياتنا، إذ يمكن لتطبيقات الكمبيوتر المجانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تحاكي الأصوات، وتنشئ فيديوهات بجودة الأفلام، وتمكّن الإرهابيين من عمل تقارير إخبارية مفبركة، وكل ذلك يغير طريقة انتشار الدعاية ويعزز عمليات التجنيد.
يقول السيد فابريزيو مينيتي في مقالٍ له على الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا يوم 11 نيسان/أبريل 2025: ”على النقيض من البشر القائمين بالتجنيد، فإن بوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تعمل باستمرار على منصات متعددة، وتجري محادثات تحاكي تفاعل البشر مع بعضهم البعض.“ وهذه البوتات قادرة أيضاً على تحليل السلوك وتعديل ردودها بما يتناسب مع فكر من يحاورها وبما يتوافق مع مواطن ضعفه. ويقول: ”إن التجنيد المستتر في هذا الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي أخطر ما يكون.“
لا يزال الذكاء الاصطناعي ظاهرة جديدة للغاية، وقدراته متنوعة لدرجة أنه لا تكاد توجد دولة لديها سياسات أو استجابات جاهزة لمواجهة خطره. وقد عقد مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية ست ندوات إلكترونية بين شهرَي شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2025 لمناقشة التحديات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والفرص التي يتيحها. وقال النيجيري عبد الحكيم عجيجولا، رئيس مجموعة خبراء الأمن السيبراني بالاتحاد الإفريقي، خلال إحدى هذه الندوات يوم 21 شباط/فبراير: ”ولا يزال السؤال مطروحاً: هل تتطور دفاعاتنا بما يواكب تطور التهديدات القائمة على الذكاء الاصطناعي؟“

«هـديـــة» للإرهابيين
تنتشر المنشورات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي انتشار النار في الهشيم تلقائياً بفضل منصات الإعلام الاجتماعي، وهذا هذا ما يحدث عادة مع الميمات والفيديوهات الفكاهية أكثر اعتدالا. ولا تجد الجماعات الإرهابية حرجاً في إنشاء حسابات على تطبيقات مشهورة بالرقص على الألحان الصاخبة والفيديوهات التافهة، مثل تيك توك. وقال السيد بولاما بوكارتي، المحلل الأمني في معهد توني بلير للتغيير العالمي، لقناة «تشانلز تيليفيجن»، إن بوكو حرام وولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا) تستخدمان بالفعل هذه المنصة في حوض بحيرة تشاد لبث برامج مباشرة والإجابة عن تساؤلات روادها.
وورد في تقريرٍ صادرٍ عن شركة «سايت إنتلجنس غروب» في أيَّار/مايو 2024، بقلم السيدة ريتا كاتز، أن الذكاء الاصطناعي صار بلا مبالغة هدية للإرهابيين بسبب تعويلهم على وسائل الإعلام. وأضافت: ”ما كانت تجهزه فرقٌ من الكتاب والمحررين والممنتجين والمترجمين ومصممي الجرافيك والمعلقين الصوتيين في أسابيع، بل شهور، يمكن أن ينتهي منه شخصٌ واحدٌ الآن على أدوات الذكاء الاصطناعي وفي غضون ساعات.“
بلغ من افتتان عناصر داعش بالذكاء الاصطناعي أنهم استخدموه لإنشاء برنامج إعلامي يُسمى «حصاد الأخبار» لنشر فيديوهات دعائية. وأوضحت كاتز أن الفيديوهات التي ينشرونها عبارة عن مذيعي أخبار من عمل الذكاء الاصطناعي يناقشون عمليات التنظيم، كلهم أُنشئوا بأدوات ذكاء اصطناعي رخيصة وسهلة الاستخدام.
ويمكن لمن يؤيدون الإرهابيين أن يستخدموا نفس الأدوات التي يستخدمها هؤلاء الإرهابيون، فتنتشر الدعاية المتطرفة كالنار في الهشيم دون عناء ولا مال. وأفادت صحيفة «الغارديان» في تموز/يوليو 2025 أن المراقبين يتوقعون تزايد التهديدات عند دمج التطبيقات المتاحة مجاناً مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سريعة التطور، وبذلك تظل الأجهزة الأمنية في سباق دائم لمواكبة التطورات.
قال السيد آدم هادلي، المدير التنفيذي لمؤسسة «تكنولوجيا ضد الإرهاب» ومؤسسها، وهي مؤسسة معنية بالتصدي للأنشطة الإرهابية على الإنترنت، للغارديان: ”صدقَتْ بحوثنا في التنبؤ بما نراه اليوم؛ فالإرهابيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتسريع أنشطتهم الحالية بدلاً من إحداث طفرة في قدراتهم العملياتية.“
وتشير الأدلة إلى أن الإرهابيين يحيطون علماً بالقوة والقدرات التي صارت بين أيديهم، فيقول مركز صوفان إن داعش أصدر في عام 2023، على سبيل المثال، دليلاً عن الطرق الآمنة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتقول كاتز إن مجموعة إعلامية تابعة للقاعدة تُسمى «مجلس التعاون الإعلامي الإسلامي» أعلنت في شباط/فبراير 2024 عن إقامة ورشة لمناقشة الذكاء الاصطناعي.

التنظيم والاستجابة
كانت أدوات الذكاء الاصطناعي حتى وقتنا هذا من المعاول التي استعانت بها الجماعات الإرهابية لتعزيز قوة حملات الدعاية والتواصل التي تقوم بها وتوسيع نطاقها، ولكن يعتقد بعض المراقبين أنها يمكن أن توظف هذه التكنولوجيا في هجماتها عما قريب.
فقال السيد ستيف ستالينسكي، المدير التنفيذي لمعهد بحوث إعلام الشرق الأوسط، في مقالٍ له بمجلس فوربس للمنظمات غير الربحية في حزيران/يونيو 2025، إن بعض الجماعات والأفراد يتحدثون بالفعل عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتنظيم انتفاضات على الحكومات، وتصنيع أسلحة دمار شامل، وتطوير أنظمة أسلحة مثل ”المسيَّرات والسيارات المفخخة ذاتية القيادة.“
وقد آن الأوان، كما يقول، لتتفق شركات الذكاء الاصطناعي على المعايير والممارسات المُثلى لحرمان الإرهابيين من استخدامها، فمعظم المنصات والأدوات الإلكترونية تنشر شروط خدمة تحظر على المستخدمين الانخراط في سلوك مسيء أو إجرامي أو كل ما يؤذي الغير، ولكن يصعب تطبيق هذه الشروط دائماً. ويقول ستالينسكي إن رواد هذا القطاع عجزوا عن كبح جماح الإرهاب والكراهية، وسيتعين على الحكومات إذن أن تتعاون معهم في مجال الوقاية.
اعتُمدت «استراتيجية الاتحاد الإفريقي القارية بشأن الذكاء الاصطناعي» في عام 2024 لتوجيه سياسات الذكاء الاصطناعي في القارة، ولكن تقول السيدة بريندا موالي في مقالها للشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا في حزيران/يونيو 2025 إن مكافحة الإرهاب ليست من الأولويات المعلنة لهذه الاستراتيجية. وموالي محاميةٌ وخبيرةٌ في قانون مكافحة الإرهاب، وتقول إن السلطات وإذ لا تزال تقيم المخاطر الأمنية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، ”فينبغي أيضاً الانتباه إلى الاتجاهات الناشئة حول استغلال الإرهابيين للذكاء الاصطناعي.“
وسترينا الأيام ماذا ستفعل دول القارة، وقد أخبرنا عجيجولا في ندوة مركز إفريقيا أن نتوقع أن تتفاقم التهديدات الأمنية جرَّاء الذكاء الاصطناعي قبل أن تتحسن.

وقال السيد أكوه بودوان، مسؤول الاتصال والأمن الوطني لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الكاميرون، للمشاركين في الندوة الإلكترونية، إن قوات الأمن الإفريقية عليها الإلمام أولاً بطرق استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف التهديدات الأمنية. ثم تتخذ خطوات استباقية وتتحلى بالقدرة على التكيف في تصديها لهذه التهديدات، ويشمل ذلك تدابير مكافحة الدعاية المضللة.
واتفق عجيجولا على أهمية التحرك بخطوات استباقية، إذ سيتوجب على البلدان الإفريقية التخلي عن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة سلبية وأن يصبحوا قادة نشطين في الارتقاء بمستوى الأمن القائم على الذكاء الاصطناعي ووضع الاستراتيجيات المناسبة له. ويمكن أن يبدأ ذلك في أروقة الاتحاد الإفريقي والهيئات الإقليمية حتى تقوم البلدان بوضع قوانين الأمن المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وإقرارها وتنسيقها. ثم يتوجب على الشرطة وقوات الأمن أن تتعلم أساليب الدفاع القائمة على الذكاء الاصطناعي والأدلة الجنائية الرقمية، وتوحيد الصف بما يسمح بتبادل المعلومات الاستخبارية وإبرام الاتفاقيات الأمنية والتعاون.
وكل هذا، وإن كلَّف كثيراً، لا يُقارن بالمرارة التي تتجرَّعها القارة في أمنها. فيقول عجيجولا: ”عليكم بالاستثمار، أعتقد أن إفريقيا لا بدَّ لها من اتخاذ بعض القرارات، فهل ستكون إفريقيا قائدة أم مُقادة؟ فعليكم بالاستثمار، وهذا بيت القصيد.“
وجوه استخدام الإرهابيين للذكاء الاصطناعي التوليدي
صنَّفت مؤسسة «تكنولوجيا ضد الإرهاب» المخاطر الناجمة عن استخدام الإرهابيين للذكاء الاصطناعي التوليدي.
التفريخ الإعلامي. يمكن للإرهابيين إنشاء آلاف النسخ الهدَّامة من صورة أو مقطع فيديو واحد، فيتحايلون بذلك على آليات الاكتشاف الآلية.
الترجمة الآلية متعددة اللغات. يمكن للإرهابيين ترجمة النص الدعائي الذي نشروه إلى لغات متعددة، فيصعب اكتشافه بوسائل الاكتشاف العادية.
الدعاية المُصطنعة بالكامل. يمكن للإرهابيين إنشاء محتوىً مُصطنع بالكامل، مثل الخطب والصور والبيئات التفاعلية، غايتها إرباك جهود مراقبة المحتوى.
إعادة تدوير المحتوى. يمكن للإرهابيين استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعادة استخدام الدعاية القديمة للتحايل على طرق الاكتشاف السابقة.
الدعاية المخصصة يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تخصيص الدعاية لاستهداف فئات بعينها بطريقة أفضل بغرض التجنيد.
التحايل على مراقبة المحتوى. يمكن للذكاء الاصطناعي تصميم دعاية مصممة خصيصاً للتحايل على جهود مراقبة المحتوى.
مع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي خطرٌ في أيدي الإرهابيين، فإنه يضع بين أيدينا أدوات لدرئه، والتعاون والابتكار هما السبيل لمساعدة المسؤولين على فهم ثغرات الذكاء الاصطناعي وتقديم حلول استباقية للتخفيف من هذا الخطر.
المصدر: مؤسسة تكنولوجيا ضد الإرهاب
