بينما تدخل الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الخامس، فإذا بالكرملين يلجأ إلى أساليب تجنيدٍ تتسم بالخداع وبعيدة عن مألوف العادة.
فقد كان شابان من جنوب إفريقيا يلعبان لعبة محاكاة عسكرية تُسمى «آرما 3»، فالتقيا برجلٍ من القائمين بالتجنيد يُدعى «داش» على منصة «ديسكورد»، وجرت بينهم محادثات كثيرة، ثم التقوا في كيب تاون، ثم في القنصلية الروسية، وفقاً لوثائق اطلعت عليها وكالة أنباء «بلومبرغ».
قال السيد أنتوني سكوازين، وهو من كبار الكتاب في بلومبرغ، لإذاعة «كيب تووك»: ”تتعدد الأمثلة على ما قامت به روسيا من تجنيد أشخاص من مختلف أنحاء القارة الإفريقية، ولكن هذه أول مرة نراهم فيها يستغلون لاعبي ألعاب الفيديو.“
وُعد الشابان بعقود مغرية، وفرص تعليمية، وإمكانية الحصول على الجنسية الروسية إذا وافقا على الالتحاق بالجيش، فسافرا إلى روسيا يوم 29 تموز/يوليو 2024، فقابلا المدعو داش، ووقعا عقديهم قرب سانت بطرسبرغ، وفي غضون أسابيع توفي أحدهم في أوكرانيا، وفقاً لشهادة طبية.
أظهرت نسخة من عقده أنه ذهب إلى جبهات القتال، حيث كان مساعداً لأحد الرماة بقاذفات القنابل، واتصل بعائلته يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 2024 للمرة الأخيرة، وأخبرهم صديقه يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2024 أنه قُتل في الحرب.
أما الشاب الجنوب إفريقي الآخر، فمصيره مجهول.
خسرت روسيا منذ غزوها لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022 مئات الآلاف من المقاتلين، فاستمات الكرملين في البحث عن مجندين في بقاع أخرى، فصرَّح وزير خارجية كينيا بأن ما يصل إلى 200 كيني كانوا يقاتلون في صفوف روسيا حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كما وردت أنباء عن قيامها بالتجنيد في كلٍ من بوتسوانا وبوركينا فاسو والكاميرون.
وصرَّح السيد أندري سيبيا، وزير خارجية أوكرانيا، يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بأن 1,426 شخصاً من 36 دولة إفريقية يقاتلون في صفوف روسيا، لكنه حذَّر من أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك، وحثَّ الحكومات على تحذير مواطنيها من الانخراط في هذا الصراع، واتهم موسكو بالتغرير بالأفارقة للانضمام إلى الحرب.
وكتب في منشور على منصة إكس: ”مصير المواطنين الأجانب في الجيش الروسي محزنٌ، فمعظمهم يُرسلون من فورهم إلى ما يُعرف بهجمات الأمواج البشرية التي لا يلبثون أن يُقتلون فيها، ولا ينجو معظم المرتزقة أكثر من شهر.“
انتشرت على مواقع الإعلام الاجتماعي فيديوهات، يظهر فيها جنودٌ روسٌ يتلفظون بكلام عنصري، ويسخرون من القتلى الأفارقة، بل ويجبرون أحد المجندين تحت تهديد السلاح على ربط لغم أرضي بصدره وتفجير نفسه في ملجأ أوكراني.
ويقول سيبيا في منشوره: ”تُجنِّد روسيا مواطنين من البلدان الإفريقية بأساليب شتى، فبعضهم يُغرى بالمال، وبعضهم يُخدعون ولا يعلمون ما يوقعون عليه، أو يُجبرون على ذلك عنوة، فتوقيع عقد كهذا العقد أشبه بتوقيع حكم بالإعدام.“
تحولت مخططات التجنيد الروسية إلى فضيحة في جنوب إفريقيا في أواخر عام 2025، إذ تُجرِّم جنوب إفريقيا منذ عام 1998 القتال في صفوف جيش أي دولة أخرى أو معاونته.
وورد يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أن ابنة الرئيس السابق جاكوب زوما شاركت في تجنيد 19 رجلاً من بوتسوانا وجنوب إفريقيا في الجيش الروسي، وقال بعض أقاربهم لبلومبرغ إن هؤلاء الرجال ظنوا أنهم يوقعون وثائق لحضور دورة تدريبية في الحراسات الشخصية.
وذكرت بلومبرغ أن واحداً من هؤلاء الرجال قال في رسالة على الواتساب إلى هذه السيدة التي تُسمى دودوزيلي زوما سامبودلا: ”بينما نتحدث الآن، نُجهز أنفسنا للانتقال إلى منطقة الحرب.“ وسألها لماذا أخذوا منه هاتفه وبطاقاته المصرفية.
فقالت: ”ليست جبهة القتال، فهم يُخيفونك فحسب، إنما أعرف أنكم ستراقبون الجنود الروس إذ يدخلون المنطقة الحمراء ويخرجون منها، وقد تُكلَّفون بالقيام بدوريات أو بطهي الطعام أو تنظيف الأسلحة.“
وأخبرت بعضهم أنها شاركت في دورة الحراسات الشخصية نفسها، وقالت لهم: ”سيسخرون منكم كما سخروا مني، لكنني واثقة وأعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام.“ ثم استقالت من عضويتها في الجمعية الوطنية (البرلمان) حين فتحت شرطة جنوب إفريقيا تحقيقاً في هذه القضية.
وفي ظل هذه العِبر الكثيرة، قال السيد أولكسندر شيربا، سفير أوكرانيا لدى جنوب إفريقيا، إن روسيا ”تنظر إلى إفريقيا بعيون إمبريالية“ وأنها ”لا تقيم للأفارقة وزناً.“
وقال لصحيفة «التلغراف» البريطانية: ”ربما تحدث في القارة الإفريقية حملات تودد على اختلاف أنواعها، ولكن ما إن يأتي إفريقيٌ إلى هذه الحرب، يتحول إلى قطعة لحم في المفرمة.“
