سلسلة من الانقلابات تثير قلق المراقبين من العودة للماضي الأليم

Reading Time: 3 minutes

أسرة منبر الدفاع الإفريقي

بعدما شهدنا انخفاضاً حاداً في الانقلابات العسكرية على مدار عقدين من الزمن، يشعر المراقبون بالقلق إزاء احتمالية معاودة شيوعها في إفريقيا.

فقد تمت الإطاحة برؤساء الدولة من السلطة في السودان ومالي وغينيا خلال العام الجاري، ولكن ليس بصندوق الاقتراع، بل تحت فوهة البندقية. ويعد هذا الوضع اتجاه معاكس لتراجع الانقلابات في القارة طيلة سنوات طوال، إذ سجلت القارة 22 انقلاباً ناجحاً في ثمانينيات القرن العشرين و16 في التسعينيات، ثمَّ تراجعت الانقلابات بفضل مطالبة الشعوب الإفريقية بالحكم الرشيد والضغط الدولي. ولم تشهد القارة سوى ثمانية انقلابات ناجحة بين عامي 2000 و2009 وثمانية انقلابات بين عامي 2010 و2019.

يعتقد الخبراء أنَّ تزايد الانقلابات في إفريقيا مؤخراً يرجع إلى عدة عوامل، كالصعوبات الاقتصادية، وإساءة استخدام القادة للسلطة، ورغبة الجيش في حماية مصالحه.

قال الدكتور جوناثان باول، الأستاذ في جامعة سنترال فلوريدا، لمنبر الدفاع الإفريقي: ”ليست الانقلابات مشكلة مقتصرة على إفريقيا دون سواها [كما رأينا في ميانمار هذا العام]، لكنها مشكلة تشيع في إفريقيا.“ ويعمل موقع «ميوتيني مونيتور» [أي مرصد العصيان] الذي يديره باول على متابعة الانقلابات في أرجاء العالم.

وتكشف أبحاث باول أنَّ البلدان الإفريقية سجلت معظم الانقلابات التي حدثت في العالم في أي عام من الأعوام.

وذكر أنَّ مالي، التي شهدت انقلاباً في عام 2012 وفي عام 2020 وهذا العام، ربما سقطت في «فخ الانقلابات»، ويعني أنَّ القيادات المتناحرة في الجيش تشن انقلابات على بعضها البعض.

وفي السودان، ألقى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة آنذاك، القبض على الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء، وعدد من القيادات المدنية الأخرى في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، قبل أسابيع فحسب من سيطرة المدنيين على المجلس. وكان هذا المجلس قد تأسس بعدما أطاح الجيش، استجابة للاحتجاجات الشعبية، بنظام عمر البشير الذي حكم البلاد عقوداً من الزمن.

ثمَّ أعاد البرهان حمدوك إلى منصبه يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر، ولكن ظلَّ المحتجون مستائين.

وشجب تجمع المهنيين السودانيين في تغريدة على تويتر الاتفاق السياسي واصفاً إياه بأنه ”بعيد كل البعد عن تطلعات شعبنا.“

وبات نفس المحتجين الذين جابهوا البشير يصبون تركيزهم على البرهان.

وقال عضو في جبهة من جبهات المقاومة السودانية لقناة «ڤايس نيوز» في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر: ”نرفض الدولة الاستبدادية والحكم العسكري، ولا نطالب إلَّا بنقل الحكم لحكومة مدنية.“

ومن نواحٍ كثيرة، تعكس الانقلابات الأخيرة في إفريقيا الصراع الدائر بين الأعداد الغفيرة من جيل الشباب والحرس القديم الحاكم في القارة.

فكما هي الحال في السودان، يطالب الشباب بتطبيق مبادئ المساءلة والشفافية ووضع حد لتدخل الجيش في الحكومة. وبالمقارنة، ترغب الطبقة الحاكمة في التمسك بالوضع الراهن الذي كثيراً ما ينطوي على الاستفادة المالية من علاقاتها مع الجيش والحكومة.

وذكر الكيني مويتا تشاتشا، الأستاذ المساعد في جامعة برمنغهام، أنَّ الضغوط الاقتصادية التي فرضها جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) على عدة بلدان يمكن أن تتسبَّب في تزايد الانقلابات في القارة.

وقال لمنبر الدفاع الإفريقي: ”إذا افترضنا أنَّ التعافي ما يزال بطيئاً، فإنَّ البلدان المعرَّضة للانقلابات – أي البلدان التي تعرَّضت لانقلابات في الماضي، والبلدان التي تشهد حالة من تزايد الاستياء العام من القيادة الحالية، والبلدان التي يحرص فيها الحاكم على الحفاظ على مصلحة القوات المسلحة – من المحتمل أن تتعرَّض لتدخل الجيش اليوم وغداً.“

وأضاف تشاتشا أنَّ ضعف ردة فعل المنظمات متعددة الجنسيات كالأمم المتحدة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على محاولات قادة الدول للبقاء في السلطة من خلال التلاعب بدساتير بلدانهم – كما حدث في غينيا – يمكن أن يتسبَّب في تزايد الانقلابات كذلك.

وذكر أنَّ منع الانقلابات أو عكس مسارها يقتضي من البلدان تكثيف التعاون فيما بينها بشأن فرض العقوبات الدولية على مدبري الانقلابات لإجبارهم على التخلي عن السلطة.

فيقول: ”يصبح تعزيز التنسيق إذن وسيلة قادرة على زجر الاستيلاء غير المشروع على السلطة.“

إلَّا أنَّ مثل هذه الجهود لا تؤتي ثمارها عندما لا يلتزم اللاعب الرئيسي بها.

فيقول باول: ”أعتقد أنه يمكن القول أيضاً إنَّ العناصر المؤثرة كالصين، التي لا تضع شروطاً سياسية للمساعدات الاقتصادية، يمكن أن تساهم في إهدار أي تأثير رادع كان بوسع المجتمع الدولي إحداثه.“

وختاماً، فقد ذكر تشاتشا أنَّ الحد من الانقلابات في إفريقيا يقتضي من الجيش قبول دور غير سياسي تابع للقيادات المدنية، كما يقتضي من هذه القيادات المدنية العمل على توفير الخدمات الأساسية، وإنعاش النمو الاقتصادي، واحترام سيادة القانون حين يتعلق الأمر بانتهاء فترة الحكم مثلاً.

فيقول: ”في ظل هذه الظروف، تقل دوافع الانقلابات، سواء أكانت نابعة من المواطنين أم من أهداف الجيش.“

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.