استمرت بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (الأميصوم) 16 عاماً، وكانت واحدة من أطمح جهود حفظ السلام في تاريخ الاتحاد الإفريقي، ساهمت فيها ستة بلدان بقوات، وتألفت من نحو 20,000 جندي، وكانت مهمتها دحر جماعة الشباب الإرهابية، وتسليم كامل المسؤوليات الأمنية للجيش الوطني الصومالي.
ولا تزال تباشر عملها اليوم تحت راية بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (الأوصوم)، وتعتزم الانسحاب من البلاد بنهاية عام 2029.
ضعفت شوكة حركة الشباب وما عادت تُسيطر على المساحات الشاسعة التي كانت تسيطر عليها من قبل، إلا أنها لا تزال متمردة وعنيدة، وقادرة على نصب الكمائن لقوات الأمن، وشن هجمات على أهداف مدنية. وتشير التقديرات إلى أن عدد مقاتليها يتراوح من 7,000 إلى 12,000 مقاتل، وتواصل تمويل عملياتها عن طريق الاتجار غير المشروع وإجبار الناس على دفع الضرائب في المناطق التي تسيطر عليها. وتتمتع بعلاقات مع المتمردين الحوثيين في اليمن، فتحصل منهم على مواد متطورة لتصنيع القنابل والأسلحة مثل المسيَّرات.
وقد كنت أشغل منصب مسؤول اتصال ومراقبة حركة مع الوحدة الجيبوتية بين عامي 2014 و2015، ووقفت بنفسي على التحديات التي تواجهها بعثة الأميصوم في إخضاع حركة الشباب.
وكانت وحدة مراقبة الحركة لسبل الإمداد والتموين والدعم القتالي التي كنت أخدم بها مكلفة بإسناد الكتيبة الجيبوتية التي تؤمِّن مدينة بلدوين وسكانها البالغ عددهم 55,000 نسمة في وسط الصومال، وكانت هذه المنطقة آنذاك تُسمى بالقطاع الرابع، ولا تزال منطقة متنازع عليها أشد التنازع وتشن فيها حركة الشباب هجمات كثيرة. ثمَّ انتقلت وحدتنا بعد ستة أشهر إلى جلالقسي، الواقعة في جنوب وسط محافظة هيران، لنشر الأمن بدلاً من القوات البوروندية، مع منع حركة الشباب من السيطرة على المناطق الريفية في هذا القطاع.
والدروس المستفادة خلال فترة خدمتي يمكن أن تُستقى منها حلولٌ عملية تساعد القادة والضباط والجنود على تحقيق النجاح وتفادي الأخطاء في عمليات حفظ السلام المستقبلية.

تخصيص وقت للراحة والتعافي
يقول الخبراء إن الجنود الذين يأخذون قسطاً كافياً من الراحة يبلون بلاءً حسناً في ميادين التدريب وفي ساحات القتال، وتُعد راحة وتعافي الوحدة التي تجري تدريبات قبل الانتشار من الاعتبارات العملياتية الحيوية التي كثيراً ما يُغض الطرف عنها، فعلى جميع الدول المساهمة بقوات في بعثة الأميصوم/الأوصوم في الصومال الالتزام بمعايير اللياقة البدنية والصحة النفسية والمهارات المتعلقة بالأسلحة والمعدات على النحو المبيَّن في برنامج الأمم المتحدة للتدريب قبل النشر.
فهذه الفترة من أشد ما يُرهق الجنود بسبب كمية المعلومات الجديدة، ومعايير التدريب الصارمة، وتنفيذ المهام في فترات قصيرة، والابتعاد عن الأهل، وطول أيام التدريب. ويغالي بعض القادة وضباط التدريب، على حُسن نيتهم، في فرض متطلبات تتجاوز معايير الأمم المتحدة، فيتمادون في إرهاق الجنود المنهكين بالفعل. وفكرة «تجاوز المعايير»، وإن كانت جديرة بالثناء وإن كان البعض يرونها من خصال القادة، فإن حرمان الجنود من الراحة والتعافي يعرضهم لخطر الإرهاق حتى قبل بدء بعثة حفظ السلام في الصومال.
وهذا ما حدث خلال فترة خدمتي، فقد انتهينا من فترة تدريب صارم ومكثف، وإذا بنا نتلقى أمراً بالاستعداد للسفر من جيبوتي إلى الصومال. ومهام حفظ السلام في بيئات شديدة الخطورة تتطلب قدرة على التحمل والصبر والتركيز الذهني الحاد، وحينما صدر الأمر بالتحرك، كانت الوحدة منهكة، مما عرض كتيبتنا للخطر. ولولا الدعم الذي تلقيناه في الوقت المناسب من القوات الصديقة المنتشرة بالفعل في الصومال، لكانت العملية برمتها قد انتهت بكارثة.
عانت الوحدة من إرهاق الجنود طوال فترة خدمتنا على مدار 24 شهراً، وخارت قوانا شيئاً فشيئاً بسبب كثرة الأهوال والفواجع التي تعرَّضنا لها، وضعفت معنويات الجنود حتى بدأ بعضهم ينفصلون عن الواقع، ويفقدون تركيزهم، فعرَّضوا البعثة وزملاءهم الجنود للخطر.
ومن هنا لزاماً على القادة وضباط التدريب أن يراعوا تداعيات إرهاق الجنود خلال فترة التدريب قبل الانتشار، وأن يحرصوا على توفير فترات كافية للراحة والتعافي في الجدول الزمني للتدريب. فحفظ السلام ماراثون طويل لا وثبة قصيرة، فالحرص على توفير قسطٍ كافٍ من الراحة للجنود قبل نشرهم، وإدراج فترات راحة منتظمة بين فترات التدريب، يضمن أن يكون جميع الجنود على «أتم الاستعداد للمهمة» حينما يصلون إلى الدولة التي يُرسلون إليها لحفظ السلام.

إيلاء الأولوية للقيادة والإمداد والتموين
بعد ستة أشهر من التكيف مع التضاريس في بلدوين، تلقينا خطة العملية لنقل الكتيبة إلى منطقة المسؤولية المحددة لنا على بُعد 182 كيلومتراً جنوباً، وكنت أشغل منصب مسؤول مراقبة الحركة المكلف بعملية النقل،
وكان نقل الأفراد والمؤن والذخيرة ومواد البناء والمعدات الثقيلة مهمة معقدة، لا سيما على ضابط مبتدئ، فاستشرتُ أثناء التحضير ضباطاً من ذوي خبرة، واطلعتُ على عقائد الإمداد والتموين المتبعة في الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ولم تسر الأمور كما هو متوقع بعد كل هذا التخطيط.
فعند نقل الدبابات على شاحنات مسطحة، كان أحد السائقين عديمي الخبرة يقود بسرعة كبيرة، فانزلقت دبابة من طراز «تي- 72» وعلقت على ظهر الشاحنة، فاتصلتُ على الفور برئيس الإمداد والتموين، وبعد مناقشة مستفيضة، قررنا استخدام جرافة لإعادة الدبابة إلى مكانها الصحيح على الشاحنة، وكان الوضع شديد التوتر، إذ توقفت القافلة بأكملها، وكانت معرضة للخطر، وخشينا أن نتعرَّض لهجوم.
وتعلمت من هذا الموقف أن أتأكد دائماً من اتباع الإرشادات وبروتوكولات السلامة الصحيحة عند نقل المعدات الثقيلة، والتأكد من الإشراف على عديمي الخبرة عند تكليفهم بمهام حيوية. كما تعلمتُ أن في التأني السلامة، فيجب أن تتضمن خطة التحرك الاتفاق على السير بسرعة آمنة والسير بنفس السرعة.
التواصل المستمر في التحركات شديدة الخطورة
قامت استراتيجيتنا خلال عملية النقل على التحرك بسرعة دون 20 كيلومتراً في الساعة، يحميها صفان من الجنود يحيطون بالمركبات، فقلل ذلك من خطر الكمائن، ولكن كان غياب الإسناد الجوي من أبرز ثغراتنا، لا سيما في المناطق الحرجية التي تشتهر حركة الشباب بالاختباء بها. واستمرت هذه الثغرة طوال أسبوع عملية النقل، فتعرَّضت قافلتنا لإطلاق النار عليها ونصب الكمائن لها عدة مرات.
ووسط فوضى الكمائن، انفصل أحد الجنود عن وحدته، وقيل بعد ذلك إنه شوهد في قرية نور فانة، حيث ضلله المدنيون حينما طلب مساعدتهم. ثم حاصره مقاتلو حركة الشباب وقتلوه، وحاولوا أن يساوموا على جثته، وأُجريت اتصالات غير مباشرة معها، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق لاسترجاع الجثة.
وفي العمليات غير المتناظرة، ولا سيما في البيئات والمهام التي يقل فيها الدعم التكنولوجي وسبل الإمداد والتموين، فلا غنى عن القيادة الفعالة للوحدات الصغيرة والاتصال الشخصي والتواصل المستمر. ولا غنى عن أجهزة اللاسلكي وأنظمة التتبع الفردية مع قادة الفرق لمتابعة جنودهم لحظة بلحظة أثناء القتال. وإن دلت هذه المأساة على شيء، فإنما تدل على أهمية تزويد كل جندي بأدوات اتصال جيدة والتأكد من الاتصال القوي بين قادة فرق النيران وأعضائها، وتدل على ضرورة وضع خطط طوارئ محكمة لاستعادة القتلى والجرحى، وتحقيق التوازن بين الالتزام الأخلاقي بإعادة جنودنا الشهداء إلى الوطن وتجنب المزيد من الخسائر.

الأميصوم
الخداع قد يوقع الجنود في كمين
بينما كانت القافلة تتحرك في يوم من الأيام، وقبل الظهر، سيطرت الكتيبة الجيبوتية على قرية غراسياني، الواقعة جنوب بلدوين على بُعد 60 كيلومتراً منها. وبعد أن انتهى الجنود من القضاء على جميع جيوب المقاومة المتبقية فيها، شرعوا في إنشاء نقاط تفتيش على طرق الدخول والخروج الرئيسية.
فنشرنا ناقلات جند مدرعة لإغلاق الطرق والتحكم في الحركة، وبعد نحو ساعة من عملية التطهير، اقترب شيخٌ كبيرٌ من مجموعة من الضباط، وكنت معهم، وكان يبدو مرهقاً ومغموماً، وقال إن أحد جنودنا اعتدى على ابنته. فتوجه فريق القيادة لدينا، برفقة ضابط شرطة وجندية مكلفة بالتعامل مع مثل هذه الحالات الحساسة، إلى منزلٍ في أحد أطراف البلدة للتحقيق فيما قاله.
وبدأنا عند وصولنا تحقيقنا الأولي، وما لبثنا أن وجدنا تناقضات تبين أنه كذب علينا، وإذا بنا نقع في كمين لمقاتلي حركة الشباب، أطلقوا علينا النار، فرددنا عليهم بإطلاق النار، واعتمدنا على ما تدربنا عليه، فتمكنا من الانسحاب من الكمين، وأجبرناهم على التراجع، وأعدنا تمركز فريقنا، وقمنا بشن هجوم مضاد عليهم. وما زلت حتى يومنا هذا أشك في صدق ما قاله ذلك الرجل، لكننا حللنا الوضع بتقديم تعويض للأسرة.
وقد كشفت هذه الحادثة دروساً مهمة، فعلمتني ألا أصدق أبداً ما أسمعه ولم أتحقق منه، حتى ما ينطوي على مناشدات أخلاقية أو عاطفية. فلا بدَّ من التحقيق فيما يُقال بدقة مع توخي الحيطة والحذر، كما كانت تذكيراً بأن المتمردين لا يتبعون قواعد الاشتباك التقليدية، ويجب على حفظة السلام أن يستعدوا لكل المفاجآت.
طرق الإمداد شريان الحياة
إبان وصولنا إلى الصومال، كانت حركة الشباب قد طُردت من معظم المراكز الحضرية الرئيسية، فاضطرت إلى تغيير تكتيكاتها لعرقلة الإمداد والتموين عن طريق الإغارة على طرق الإمداد التي كانت ضرورية لتوفير المؤن لحفظة السلام والحفاظ على اقتصاد البلاد، فاضطرت الأمم المتحدة إلى فتح جسر جوي لتوصيل الغذاء والوقود لأكثر من 20,000 جندي من حفظة السلام.
وكان من العواقب غير المقصودة لهذه المبادرة الأممية هي ارتفاع تكاليف العمليات بشدة وتناقص الأصول الجوية اللازمة لسائر المهام الحيوية مثل الإجلاء الطبي أو الاستطلاع أو العمليات التكتيكية. كما أن تخلينا عن قدرات الإمداد والتموين البرية لحركة الشباب جعل السكان المدنيين يدفعون ضريبة لها مباشرةً، حتى لا يُحرموا من مرور السلع والخدمات على الطرق. وأدى هذا الوضع في نهاية المطاف إلى تقويض سلطة بعثة الأميصوم والحكم المحلي الصومالي.

الأميصوم
كان يوجد عددٌ كافٍ من القوات على الأرض، سواء من حفظة السلام أو من الجيش الوطني الصومالي، إلا أن تأمين الطرق الرئيسية ظل من المهام العسيرة. ولهذا يُوصى بإنشاء قواعد عمليات أمامية صغيرة، لا سيما على الطرق الخدمية الرئيسية، حتى لا تتنازل القوات عن الأرض للإرهابيين، وللمساعدة في نشر الأمن داخل الجيوب الواقعة في المناطق التي يسيطر عليها العدو. ويمكن تسيير دوريات صغيرة، وزيادة التواصل مع الأهالي، لمساعدة الجيش الوطني الصومالي على تأمين البلاد. كما يمكن لهذه القواعد الأمامية الصغيرة، التي تكون بحجم السرايا مثلاً، أن تشارك في الاستجابة لحالات «اشتباك القوات» من القوافل التي تسير على طريق الإمداد الرئيسي. فزيادة الضغط على حركة الشباب بالتضييق على حركتها وعلى قدرتها على تعطيل الاقتصاد يمكن أن تساعد على فصلها عن المدنيين وستؤدي في النهاية إلى دحرها.
الاستفادة من التحديات وتحسين النتائج المستقبلية
لقد علمتني التجربة في الميدان دروساً قاسية، ولكن لا غنى عنها. فيمكن تجنب مشكلات كثيرة برفع معنويات القوات وتحفيزها قبل الانتشار،
ولا بدَّ من توفير الوقت الكافي للجنود للراحة والتعافي قبل نشرهم، ويجب تخصيص ما لا يقل عن %50 من وقت الإعداد لوضع خطة انتشار ملموسة وقابلة للتنفيذ.
ويجب أن يركز التدريب قبل الانتشار على قيادة الوحدات الصغيرة التي تشمل الاطمئنان على الجنود والاهتمام بهم، وينبغي أن يتدرب حفظة السلام الذين ينتشرون في مهام خطيرة على المهام القتالية مثل عمليات إنقاذ المركبات، والتعامل مع الكمائن، والتفاعل مع المدنيين في سيناريوهات محددة. وعلاوة على ذلك، يجب على القادة وضباط الأركان العمل على وضع استراتيجية لنشر الاستقرار مع المواطنين لما فيه أمنهم وأمانهم وازدهارهم.

الأميصوم
وبعض القادة يفضلون التخطيط والقيادة المركزية، لكنني أؤمن بأهمية منح قادة الكتائب على الأرض سلطة كاملة للتخطيط للمهام وتنفيذها داخل قطاعهم، طالما أن أفعالهم تتماشى مع الأهداف العامة للبعثة. وخلال العمليات العسكرية شديدة الخطر، يجب على القادة على جميع المستويات، من قائد الفريق الصغير إلى قائد الكتيبة، الاطمئنان على جنودهم بحصر أعدادهم بانتظام والرقابة على الفرق. وعلى كل جندي من حفظة السلام الالتزام بالانضباط والامتثال لإجراءات العمل الموحدة المتوقعة من الجندي المحترف.
فالنجاح في المعارك لا يقتصر على القتال وتحرير المدن والمناطق، بل يجب على القادة أيضاً أن تكون لديهم رؤية واضحة ومنظمة لمرحلة نشر الاستقرار، مثل عمليات مكافحة التمرد، والتواصل، وتقديم الدعم اللازم للسكان المدنيين، ويشمل ذلك وضع خطط لفتح الطرق الرئيسية وتأمينها حتى يستمر النشاط الاقتصادي السلمي ويزدهر.
وأخيراً أقول إن اتباع هذه المبادئ والعمل بهذه الدروس المستفادة في التدريب قبل الانتشار يمكن أن ينقذ الأرواح ويرتقي بنتائج البعثة إجمالاً.
نبذة عن الكاتب: عبد السلام عثمان موسى مهندسٌ ميكانيكي من جيبوتي، كان يخدم من قبل في مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال في منصب مسؤول إمداد وتموين. وقد كان على رتبة ملازم، فشغل منصب مسؤول اتصال ومراقبة حركة للقوة الجيبوتية التابعة لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال بين عامي 2014 و2015. ويعمل الآن مهندساً ويدير مشاريع في منطقة القرن الإفريقي.
فكرٌ جديدٌ لعمليات حفظ السلام
الجهود الإقليمية تتعظ بأخطاء الماضي في ظل تراجع البعثات الأممية
لقد تبدلت أحوال حفظ السلام الدولي في إفريقيا في العقد المنصرم، فمنذ عام 2015 وهي تبتعد شيئاً فشيئاً عن بعثات الأمم المتحدة الكبيرة متعددة الجنسيات، ويكثر فيها عدد التدخلات التي يقودها الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية وتحالفات أخرى.
فكان فيها منذ عقد من الزمان تسع بعثات أممية كبيرة لحفظ السلام، لم يتبقَ منها بحلول تموز/يوليو 2025 سوى خمس بعثات، أكبرها بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومن المقرر أن تنسحب في كانون الأول/ديسمبر 2025.
لا يجوز لبعثات الأمم المتحدة أن تعمل دون موافقة الدول المضيفة وأطراف الصراع، وجاء في بحثٍ صادرٍ عن مركز ستيمسون في عام 2023 بعنوان «موافقة الدولة المضيفة في عمليات حفظ السلام الأممية» بقلم الباحثتين جولي غريغوري وليزا شارلاند، أن هذه الموافقة كثيراً ما تتلاشى بسبب النظرة السائدة عن عدم فعاليتها في منع العنف بحق المدنيين وانتشار المعلومات المضللة والمخاوف الأمنية الأخرى.
تنتشر البعثات الأممية بموجب ثلاثة مبادئ أساسية لحفظ السلام: موافقة الأطراف، والحياد، والالتزام بعدم استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس وللدفاع عن تكليف البعثة.
وقد انتهت بعثة الأمم المتحدة في مالي، المعروفة بالمينوسما، بعد نشرها 10 سنوات في كانون الأول/ديسمبر 2023 بناءً على طلب العسكر الذين يتولون الحكم فيها. وقد فشلت في وقف الهجمات والمكاسب التي حققتها مجموعة من الجماعات الإرهابية، وقد عانت من تغير تكليفها وتوسيعه خلال فترة عملها، وكان فيها مجموعة من الدول المساهمة بقوات دولية، كثيرٌ منها كان يعاني من عوائق اللغة وعدم الإلمام بالأوضاع المحلية.
يمكن لعمليات دعم السلام التي تقودها إفريقيا، كما تُعرف، أن تتجنب الانتقادات التي تطال الاستعمار الجديد مع البعثات الدولية، وكثيراً ما تنتشر أسرع منها، وتكليفاتها أكثر منها مرونة، إذ تسمح للقوات بالتصدي للتهديدات العابرة للحدود أفضل من غيرها. لكنها لا تسلم من تحديات التمويل والموارد والعلاقات مع المواطنين، شأنها في ذلك شأن البعثات الأممية، وهذا ما حدث مع بعثتَي مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي في جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق.
يقول الدكتور ناثانيل ألِن، الأستاذ المشارك في مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، في مقالٍ له في آب/أغسطس 2023 إن الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية يجدر بهما اعتماد معايير محددة للتصدي للتحديات الأمنية العابرة للحدود، كأن يقوم الاتحاد الإفريقي بتقديم التوجيه والتنسيق للقوة الاحتياطية الإفريقية من خلال مراكز تبادل المعلومات الاستخبارية، ووضع ”آليات لقيادة العمليات المشتركة وتنفيذها وتفعيلها لاستهداف جماعات محددة.“
ويرى أنه يجدر بالاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية الارتقاء بتدريب الأفارقة الذين يخدمون في عمليات حفظ السلام على حقوق الإنسان وقوانين الصراع المسلح وتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين ومنع إيذائهم. ويجدر بهما أيضاً ”دمج الأذرع العسكرية لعمليات حفظ السلام بقيادة إفريقيا في جهود الأجهزة المدنية والقيادات المحلية والمؤسسات الإنسانية والمجتمع الدولي للتخلص من الأسباب الجذرية للصراع من خلال المساعدات الإنمائية والإغاثات الإنسانية ومبادرات السلام المحلية.“
وستحتاج العمليات التي تقودها إفريقيا إلى زيادة التمويل والموارد لتؤتي ثمارها. وذكر ألِن أن الجهود قصيرة الأجل يمكن أن تشمل الاستعانة بمخصصات حفظ السلام الأممية لدعم العمليات الإفريقية إلى أن ينجح الاتحاد الإفريقي في الوصول إلى مستهدفات التمويل التي ينشدها.
