إدارة الخدمات الطبية الجوية بليسوتو تكافح كورونا

Reading Time: 3 minutes

أسرة منبر الدفاع الإفريقي

كان الطيَّار جرانت ستروجنيل على وشك الهبوط بحدة إلى قرية ليباكينج بطائرة ذات محرك واحد وستة مقاعد من طراز «سيسنا»، فأخذ يمسح المدرج بحثاً عن حيوانات قبل الهبوط.

يقع المدرج القصير، المغطَّى بالعشب والحشائش والزهور، على حافة ضيقة تحدها جبال شاهقة غرباً يقابلها منحدر حاد يؤدي إلى وادي نهري شرقاً.

لا يسهل الهبوط بالطائرة عند السفر إلى مستوطنات نائية في قلب جبال مملكة ليسوتو، لكنها مهمة لا مندوحة عنها.

إذ تحمل هذه الطائرة لقاحات من شأنها إنقاذ المواطنين من براثن فيروس كورونا (كوفيد-19).

وستروجنيل شاب مهذب ودمث الخلق من جنوب إفريقيا يقيم في عاصمة ليسوتو مع زوجته وابنته الصغيرة، ويعد واحداً من خمسة طيَّارين ينقلون كوادر إدارة الخدمات الطبية الجوية بليسوتو لأكثر من 20 مدرجاً ترابياً منحوتاً في تلك التضاريس الوعرة.

وقال هذا الشاب الذي يبلغ من العمر 36 عاماً لمنبر الدفاع الإفريقي: ”كل رحلة، وكل هبوط، يستحق العناء، علماً بأنك تصل إلى الأماكن النائية في البلاد باللقاحات وخدمات الرعاية الصحية التي تنقذ الأرواح.“

ومن المعتاد أن توفر الإدارة خدمات الرعاية الصحية الأساسية لنحو 300,000 مواطن يقطنون الجبال، ويعتمد أهالي تلك القرى الجبلية على الكوادر الصحية العاملة في 10 عيادات ريفية ومركزين صحيين وأربعة مستشفيات محلية لمدة أسبوع تقريباً في المناوبة الواحدة.

إلَّا أنَّ الجائحة غيَّرت الأولويات.

فقد بلغت الموجة الثانية ذروتها في كانون الثاني/يناير بتأكيد أكثر من 5,000 إصابة وتضاعفت أعداد الوفيات أكثر من ثلاثة أضعاف، وكشفت هيئة المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أنَّ الدولة سجَّلت حتى يوم 26 حزيران/يونيو 11,239 إصابة و329 حالة وفاة.

ويبقى السؤال: أيمكن أن يصل المرض لأنأى القرى الجبلية؟

قال المواطن فرانك موليفي، أحد أهالي قرية كوبونياني، ويبلغ من العمر 77 عاماً، لقناة «سكاي نيوز» البريطانية في مطلع حزيران/يونيو: ”بالطبع، سيأتي إلى هنا؛ لأنَّ هنالك بشر يعيشون هنا.“

وما وعورة التضاريس إلَّا واحدة من تحديات الإمداد والتموين التي تعترض التصدِّي لانتشار الجائحة.

فيقول ستروجنيل: ”يضطر أهالي بعض الأماكن، بمجرد هبوط الطائرات التي تحمل اللقاحات في مهبط الطائرات، إلى المشي لمدة 45 دقيقة للوصول إلى العيادة، وكثيراً ما يضطر المواطنون الذين يحتاجون اللقاحات إلى المشي لساعات للوصول إلى العيادة من قريتهم.“

واستدرك قائلاً: ”وهكذا إذا تأخرنا يوماً بسبب الطقس، فقد نحمل المواطنين على المشي يوماً إضافياً، إذ يصلون إلى العيادة ويدركون أننا لم نصل إليها في اليوم المقرر.“

بيد أنَّ العقبة الأكبر تتمثل في الحصول على الجرعات.

فيقول ستروجنيل: ”لم تتمكن ليسوتو بالفعل حتى الآن إلَّا من تطعيم كوادر الرعاية الصحية والعاملين على الخطوط الأمامية، ونحتاج إلى المزيد حتى نشرع في إحراز تقدم مع جمهور المواطنين.“

وذكرت السيدة مامفو ليليكا، وهي ممرضة إدارية بإدارة الخدمات الطبية الجوية، أنها ”لا تطمئن“ لتقدم التطعيم بهذه الوتيرة البطيئة.

وقالت لقناة «سكاي نيوز»: ”ليس هذا من باب الإنصاف لكافة المواطنين، فعلينا تطعيم المواطنين بأسرع ما يمكن؛ لأنَّ هذه الجائحة تودي بحياتهم.“

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ليسوتو أطلقت إدارة الخدمات الطبية الجوية في عام 1980 لمساعدة المواطنين المقيمين في القرى المتناثرة وسط الوديان والتلال شديدة الانحدار المنتشرة في ربوعها.

وأطلقت الإدارة برامج رعاية صحية ريفية وتحرص على نقل المواد الغذائية والوقود والأدوية إلى المناطق التي تمر بظروف عصيبة، وتشمل الفرق الصحية الزائرة التابعة للإدارة طبيباً وطبيب أسنان وصيدلي وأحد ممرضي الصحة العامة.

ويعمل الطيَّارون طوال أيام الأسبوع للرحلات المقررة والطارئة، ويأتون من خلال مؤسسة خيرية بالولايات المتحدة تسمَّى زمالة المهام الجوية، تسيِّر 130 طائرة في 30 دولة.

وعملهم المحفوف بالمخاطر واجب.

إذ تعد ليسوتو الدولة الوحيدة في العالم التي ترتفع بأكملها أكثر من 1,000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتكثر عمليات الهبوط الفاشلة بسبب قوة الرياح الخلفية والرياح الجانبية والتيارات الهوائية الهابطة.

ويقول ستروجنيل: ”تجعلنا المدارج الموجودة في الجبال نتحلَّى بأقصى درجات اليقظة.“

تصعب مكافحة فيروس كورونا بشدة في واحدة من أكثر البلدان الجبلية على وجه الأرض، بيد أنَّ أطقم الأطباء والتمرين والطيَّارين بإدارة الخدمات الطبية الجوية يجتهدون في مكافحة الجائحة.

فيقول ستروجنيل: ”أعجز عن أن أوفيهم حقهم من الشكر والثناء، نرى الكثير من أطقم التمريض من ليسوتو، ومن زيمبابوي وبلدان إفريقية أخرى، يتفانون في العمل ويعيشون في العيادات الجبلية أسابيع متتالية في خدمة المواطنين.“

واستدرك قائلاً: ”فهم أبطال بحق، ولا يوفهم أحد حقهم من الشكر والثناء.“

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.