الخيول تتبختر من جديد في شوارع إفريقيا الوسطى

Reading Time: 2 minutes

وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الفرنسية

يظهر‭ ‬حصان‭ ‬كستنائي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬شوارع‭ ‬بانجي‭ ‬المليئة‭ ‬بالغبار‭ ‬وهو‭ ‬يمشي‭ ‬متبختراً‭ ‬وسط‭ ‬السيارات‭ ‬المتهالكة،‭ ‬والدراجات‭ ‬النارية‭ ‬التي‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة،‭ ‬والمباني‭ ‬المتداعية‭. ‬أمّا‭ ‬الفارس،‭ ‬فهو‭ ‬شخصية‭ ‬مشهورة‭ ‬في‭ ‬بانجي‭ ‬عاصمة‭ ‬جمهورية‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى؛‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬صومايلا‭ ‬زكريا‭ ‬مايدجيدا،‭ ‬الملقب‭ ‬باسم‭ ‬“ديدا”،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬عدّاءً‭ ‬حقق‭ ‬رقماً‭ ‬قياسياً‭ ‬لبلاده‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬800‭ ‬متر‭ ‬في‭ ‬أولمبياد‭ ‬برشلونة‭ ‬الذي‭ ‬أُقيم‭ ‬عام‭ ‬1992‭.‬

ويعتبر‭ ‬ديدا‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬الذين‭ ‬يعدّون‭ ‬على‭ ‬أصابع‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬وهي‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬الفقر‭ ‬والمناخ‭ ‬والحرب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقل‭ ‬البلدان‭ ‬الصديقة‭ ‬للخيول‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وقال‭ ‬الفارس‭ ‬الهُمام‭: ‬“لا‭ ‬يوجد‭ ‬أحد‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ديدا،‭ ‬وعندما‭ ‬يريد‭ ‬الوزراء‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬أن‭ ‬يتنزهوا‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬حصان،‭ ‬فإنهم‭ ‬يقصدونني‭.‬”

ويحلم‭ ‬ديدا‭ ‬بإنشاء‭ ‬مركز‭ ‬للخيول‭ ‬مع‭ ‬اعترافه‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬ويعمل‭ ‬حارساً‭ ‬لكي‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬إطعام‭ ‬خيوله‭.‬

شهدت‭ ‬الخيول‭ ‬تاريخاً‭ ‬حافلاً‭ ‬بالاضطرابات‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬وهي‭ ‬دولة‭ ‬حبيسة‭ ‬نالت‭ ‬استقلالها‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬1960؛‭ ‬إذ‭ ‬يربط‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مواطنيها‭ ‬الخيول‭ ‬باللصوص‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يجتازون‭ ‬الحدود‭ ‬على‭ ‬صهوة‭ ‬الخيول‭ ‬من‭ ‬تشاد‭ ‬أو‭ ‬السودان‭. ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬المواطنين‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً‭ ‬يتذكرون‭ ‬جان‭ ‬بيدل‭ ‬بوكاسا،‭ ‬ذاك‭ ‬الطاغية‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعشق‭ ‬الخيول‭ ‬والذي‭ ‬توّج‭ ‬نفسه‭ ‬إمبراطوراً‭ ‬للبلاد‭ ‬عام‭ ‬1977‭.‬

استورد‭ ‬بوكاسا‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬عربة‭ ‬خيول‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬البرونز‭ ‬والذهب‭ ‬للاستعراض‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬العاصمة‭ ‬بانجي‭. ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬المناسبات‭ ‬المأسوية،‭ ‬مات‭ ‬حصانان‭ ‬بسبب‭ ‬ضربة‭ ‬شمس‭ ‬تحت‭ ‬لهيب‭ ‬الشمس‭ ‬الاستوائية‭ ‬عديمة‭ ‬الشفقة‭. ‬واستورد‭ ‬بوكاسا‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬الخيول‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬حكمه،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬أنشأ‭ ‬قوة‭ ‬الفرسان‭.‬

وكان‭ ‬ديدا‭ ‬في‭ ‬طفولته‭ ‬يشاهد‭ ‬تلك‭ ‬العروض‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬شغوفاً‭ ‬بفكرة‭ ‬ركوب‭ ‬الخيل‭. ‬

ويوجد‭ ‬في‭ ‬بانجي‭ ‬مركزان‭ ‬مرموقان‭ ‬للفروسية؛‭ ‬كان‭ ‬أحدهما‭ ‬مخصصاً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬“الطبقة‭ ‬العليا‭ ‬من‭ ‬المجتمع”‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬المهاجرين‭ ‬الفرنسين،‭ ‬والآخر‭ ‬لعامة‭ ‬الشعب‭.‬

إلّا‭ ‬أن‭ ‬العصر‭ ‬الذهبي‭ ‬للخيول‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬انتهى‭ ‬نهاية‭ ‬مأسوية‭ ‬عام‭ ‬1996؛‭ ‬إذ‭ ‬تمرّد‭ ‬الجيش‭ ‬مما‭ ‬أحدث‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬منها‭ ‬الدولة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬وتعرض‭ ‬مركزا‭ ‬الفروسية‭ ‬في‭ ‬بانجي‭ ‬للإهمال‭ ‬الشديد،‭ ‬وسُرقت‭ ‬الخيول،‭ ‬أو‭ ‬بيعت‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬أو‭ ‬انتهت‭ ‬بها‭ ‬الحال‭ ‬إلى‭ ‬أكشاك‭ ‬الأسواق‭.‬

إلّا‭ ‬أن‭ ‬ديدا‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬إنقاذ‭ ‬عدد‭ ‬قليلً‭ ‬منها،‭ ‬ومع‭ ‬وجود‭ ‬الميليشيات‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬ثلثي‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬فما‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬يشد‭ ‬الرحال‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬التشادية‭ ‬لإعادة‭ ‬الخيول‭ ‬إلى‭ ‬بانجي‭.‬

ويقول‭ ‬ديدا‭: ‬“لا‭ ‬أعيش‭ ‬إلّا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الخيول‭ ‬—‭ ‬ولا‭ ‬يمكنني‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭.‬”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.