بعد التمرد

بعد التمرد

القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭ ‬لن‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬بوكو‭ ‬حرام؛‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬معالجة‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬الجماعة‭.‬

الدكتور‭. ‬حسين‭ ‬سليمان

بمجرد أن‭ ‬بدأ‭ ‬التمرد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬قتلت‭ ‬جماعة‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬المتطرفة‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف،‭ ‬وأجبرت‭ ‬2‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬منازلهم‭. ‬فهذه‭ ‬الجماعة‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬تهديد‭ ‬للسلام‭ ‬والأمن‭ ‬في‭ ‬نيجيريا‭.‬

لكن‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬والمدنيين‭ ‬في‭ ‬نيجيريا‭ ‬يتفقون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إيقاف‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬سيتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الرصاص‭ ‬والقنابل‭. ‬يقول‭ ‬الجنرال‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ ‬اجواى،‭ ‬رئيس‭ ‬أركان‭ ‬الدفاع‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬نيجيريا،‭ “‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أبداً‭ ‬حل‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشاكل‭ ‬باستخدام‭ ‬الحلول‭ ‬العسكرية‭”. ‬ويضيف،‭ “‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬سياسية،‭ ‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭. ‬وحتى‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للجيش‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حلاً‭ ‬أبداً‭”.‬

لاجوس، نيجيريا

لا‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬العسكريين‭ ‬والعسكريات‭ ‬الأفارقة‭ ‬فهم‭ ‬حدود‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬عند‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة،‭ ‬مثل‭ ‬حركة‭ ‬الشباب،‭ ‬وأنصار‭ ‬الدين‭ ‬وتنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وبوكو‭ ‬حرام‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الواسعة‭ ‬لمكافحة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أبدا‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬السلام‭ ‬والازدهار‭ ‬بمفردها‭. ‬إن‭ ‬الغرض‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭ ‬هو‭ ‬احتواء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬محدودة،‭ ‬وكسب‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ -‬وليس‭ ‬تعزيز‭ ‬السلام،‭ ‬ومهمتها‭ ‬الأساسية‭ ‬هو‭ ‬إنهاء‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬يرتكبه‭ ‬المتطرفون‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينهي‭ ‬التهديد‭ ‬الموجود،‭ ‬نظراً‭ ‬للظروف‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬هذا‭ ‬التطرف‭. ‬إن‭ ‬احتواء‭ ‬الحرب‭ ‬يوفر‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬الظروف‭ ‬لدوائر‭ ‬حكومية‭ ‬أخرى‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬للعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنهاء‭ ‬الظروف‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬العنف‭.‬

فهم‭ ‬جذور‭ ‬بوكو‭ ‬حرام

تعود‭ ‬أصول‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1802‭-‬1804،‭ ‬عندما‭ ‬أعلن‭ ‬المعلم‭ ‬الديني‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬فولاني‭ ‬العرقي،‭ ‬عثمان‭ ‬دان‭ ‬فوديو،‭ ‬جهاده‭ ‬لتطهير‭ ‬الإسلام‭. ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬ذلك،‭ ‬أسس‭ ‬خلافة‭ ‬سوكوتو،‭ ‬التي‭ ‬يذكر‭ ‬الكثيرون‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬تأسيس‭ ‬هذه‭ ‬الخلافة‭ ‬هو‭ ‬هدفهم‭ ‬الرئيسي‭.‬

في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مثلت‭ ‬انتفاضات‭ ‬مايتاتسين‭ ‬عام‭ ‬1980‭ ‬في‭ ‬كانو،‭ ‬وعام‭ ‬1982‭ ‬في‭ ‬كادونا‭ ‬وبولمكوتو،‭ ‬وعام‭ ‬1984‭ ‬في‭ ‬يولا،‭ ‬وعام‭ ‬1985‭ ‬في‭ ‬باوتشي‭ ‬محاولات‭ ‬لفرض‭ ‬إيديولوجية‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬النيجيرية‭ ‬العلمانية‭. ‬وهي‭ ‬توازي‭ ‬محاولة‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬إجبار‭ ‬الحكومة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬أبوجا‭ ‬قبول‭ ‬تفسيرها‭ ‬للشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الولايات‭ ‬النيجرية‭ ‬البالغ‭ ‬عددها‭ ‬36‭ ‬ولاية‭.‬

وبين‭ ‬عامي‭ ‬1999‭ ‬و2008،‭ ‬تم‭ ‬الإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬28‭ ‬نزاع‭ ‬ديني‭ -‬أبرزها‭ ‬العنف‭ ‬المتكرر‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬في‭ ‬خوسيه‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬تاريخي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يرتبط‭ ‬بقضايا‭ ‬تشمل‭ ‬العرق،‭ ‬والسياسة،‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬والهجرة،‭ ‬والعنف‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يسُتخدم‭ ‬الاختلاف‭ ‬الديني‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السياسيين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬لتعزيز‭ ‬أهدافهم‭ ‬الخاصة‭. ‬ولكي‭ ‬نفهم‭ ‬العنف‭ ‬الديني‭ ‬المتكرر‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬نيجيريا،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نستكشف‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬تزدهر‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الأصولية‭ ‬الإسلامية‭.‬

عدم‭ ‬المساواة‭ ‬الراسخة

الاقتصاد‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬المحركات‭ ‬الهيكلية‭ ‬للعنف‭. ‬فليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المصادفة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شمال‭ ‬نيجيريا‭ ‬عرضة‭ ‬للانتفاضات‭ ‬الراديكالية‭ – ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬يعتبر‭ ‬أفقر‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬البلاد،‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬27‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الجنوب‭ ‬في‭ ‬فقر،‭ ‬مقابل‭ ‬72‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭. ‬وازدادت‭ ‬حدة‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬بسبب‭ ‬الزحف‭ ‬الصحراوي،‭ ‬والجفاف‭ ‬المتكرر،‭ ‬ووباء‭ ‬الطاعون‭ ‬البقري‭.‬

عمال الإنقاذ يزيلون جثة بعد هجوم انتحاري في جامعة مايدوغوري، نيجيريا، في 24 يوليو، 2017. أسوشيتيد برس

وقد‭ ‬أدت‭ ‬آثار‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الرواسب‭ ‬الكبيرة‭ ‬للنفط‭ ‬قد‭ ‬أفادت‭ ‬الجنوب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬القليلة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ -‬ومعظمها‭ ‬مصانع‭ ‬النسيج‭ -‬فشلت‭ ‬في‭ ‬التنافس‭ ‬مع‭ ‬الواردات‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأرخص‭. ‬فتكلفة‭ ‬ثوب‭ ‬من‭ ‬المنسوجات‭ ‬المصنوعة‭ ‬في‭ ‬نيجيريا‭ ‬هي‭ ‬1500‭ ‬نايرا‭ (‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬4‭ ‬دولارات‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬يكلف‭ ‬الثوب‭ ‬المماثل‭ ‬المستورد‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬550‭ ‬نايرا‭ ‬فق‭ (‬حوالي‭ ‬1‭.‬50‭ ‬دولار‭). ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬انخفض‭ ‬عدد‭ ‬المصانع‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كانو‭ ‬الشمالية‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬مصنعاً‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬إلى‭ ‬103‭ ‬مصانع‭ ‬اليوم‭. ‬وقد‭ ‬ازدادت‭ ‬بطالة‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬بتجنيد‭ ‬المستضعفين‭ ‬والمستبعدين‭ ‬من‭ ‬بينهم‭.‬

يتناقض‭ ‬الفقر‭ ‬المتزايد‭ ‬للمواطنين‭ ‬تناقضاً‭ ‬حاداً‭ ‬مع‭ ‬الثروة‭ ‬المتزايدة‭ ‬للنخبة‭ ‬السياسية‭. ‬فمنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحكم‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬حتى‭ ‬حكم‭ ‬غودلاك‭ ‬جوناثان،‭ ‬أفادت‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬السياسيين‭ ‬النيجيريين‭ ‬كانوا‭ ‬يختلسون‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬4‭ ‬بلايين‭ ‬دولار‭ ‬و8‭ ‬بلايين‭ ‬دولار‭ ‬كل‭ ‬عام‭. ‬ويضيف‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬الفجوة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطن،‭ ‬حيث‭ ‬تُعتبر‭ ‬الدولة‭ ‬نظاماً‭ ‬غير‭ ‬شرعياً‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬صدى‭ ‬خطاب‭ ‬بوكو‭ ‬حرام،‭ ‬عندما‭ ‬يقولون‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬النيجيرية‭ ‬طاغوت،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬الشر‭ ‬نفسه‭. ‬وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬إلا‭ ‬خطوة‭ ‬صغيرة‭ ‬لمواصلة‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانية‭ ‬الغربية‭ ‬قد‭ ‬فشلت‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬فشل‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬الإجرام،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬الولايات‭ ‬الشمالية‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬لخطاب‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬بشأن‭ ‬تطبيق‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بجاذبية‭ ‬ضئيلة‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬وفرت‭ ‬الأمن‭ ‬الأساسي‭ ‬لمواطنيها‭ -‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الشمال‭.‬

بائع يبيع الصحف التي تشمل أسماء طالبات المدارس النيجيريات المختطفات في تشيبوك المفرج عنهن، أبوجا، نيجيريا، في أيار / مايو 2017. أسوشيتيد برس

يقول‭ ‬الدكتور‭ ‬بوكولا‭ ‬ساراكى،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬النيجيري،‭ “‬كلما‭ ‬عجلنا‭ ‬بتقديم‭ ‬اصلاحات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتحقيق‭ ‬ازدهار‭ ‬أكبر‭ ‬لجميع‭ ‬النيجيريين،‭ ‬كلما‭ ‬أسرعنا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬شمولية‭ ‬وتقليل‭ ‬الانقسامات‭ ‬والمظالم‭ ‬الاجتماعية‭”.‬

إن‭ ‬هزيمة‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬كافيه‭ ‬لإعادة‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬نيجيريا‭. ‬تقول‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية،‭ ‬مجموعة‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية،‭ ‬ان‭ ‬على‭ ‬نيجيريا‭ ‬ان‭ ‬تعيد‭ ‬الادارة‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬الاماكن‭ ‬المهمشة‭ “‬من‭ ‬اجل‭ ‬توفير‭ ‬خدمات‭ ‬اساسية‭ ‬حاسمة‭ -‬الامن‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ – ‬ومعالجة‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الأفراد‭ ‬للانضمام‭ ‬الى‭ ‬حركات‭ ‬مثل‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭”.‬

الهوية‭ ‬كسلاح

تعد‭ ‬سياسة‭ ‬الهوية‭ ‬عاملاً‭ ‬هيكلياً‭ ‬أخر‭. ‬إذ‭ ‬ينقسم‭ ‬سكان‭ ‬نيجيريا‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬190‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬مجموعة‭ ‬عرقية‭ ‬تتكلم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬250‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬لغة‭. ‬ويمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬السكان‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬حسب‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬و‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬المسيحيين،‭ ‬و‭ ‬10‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬ينتمون‭ ‬لمختلف‭ ‬أديان‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭. ‬ومما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الأمور‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاختلافات‭ ‬تعزز‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬عوامل‭ ‬الهوية‭ ‬الإثنية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والدينية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الانقسامات‭.‬

ومنذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬كافحت‭ ‬الحكومات‭ ‬النيجيرية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحديد‭ ‬جنسية‭ ‬نيجيرية‭ ‬مشتركة‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يجادل‭ ‬بأن‭ ‬الطابع‭ ‬الاستبعادي‭ ‬للدولة‭ ‬النيجيرية‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬الاختلافات،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬منها‭. ‬فالحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬وحكومات‭ ‬الولايات‭ ‬هي‭ ‬استبعادية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بكيفية‭ ‬منحها‭ ‬حقوقاً‭ ‬مختلفة‭ ‬للأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭. ‬فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الحكومي‭ ‬المحلي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬هناك‭ ‬تمييز‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ “‬المواطنين‭” ‬و‭ “‬المهاجرين‭”. ‬ويتشارك‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬أو‭ “‬الأصليون‭” ‬نفس‭ ‬الخصائص‭ ‬العرقية‭ ‬والثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬واللغوية‭ ‬ويطلق‭ ‬عليهم‭ “‬المواطنون‭ ‬المحليون‭”. ‬أما‭ “‬المهاجرون‭” ‬أو‭ “‬المستوطنون‭”‬،‭ ‬فلديهم‭ ‬خصائص‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬لغوية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ “‬المحليين‭” ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬اعتبارهم‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬مواطنين،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬المدة‭ ‬التي‭ ‬عاشوا‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭ ‬وعن‭ ‬كونهم‭ ‬جميعا‭ ‬مواطنين‭ ‬نيجيريين‭.‬

الأطفال الذين تشردوا بعد هجمات بوكو حرام يحضرون محاضرات في مدرسة في مايدوغوري، نيجيريا. اسوشيتد برس

ونتيجة‭ ‬الطبيعة‭ ‬الاستبعادية‭ ‬للدولة‭ ‬النيجيرية‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬النيجيريين‭ ‬العاديين‭ ‬عند‭ ‬شرح‭ ‬العنف‭. ‬فالهويات‭ ‬الدينية‭ ‬والعرقية‭ ‬والإقليمية‭ ‬كلها‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬وسائط‭ ‬الإعلام‭ ‬الشعبية‭ ‬قد‭ ‬صورت‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬قضية‭ ‬نزاع‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعداً‭ ‬عرقياً‭ ‬آخر‭ ‬للصراع‭: ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬التصدع‭ ‬الناتج‭. ‬قد‭ ‬تستهدف‭ ‬جماعة‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسيحيين‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الشمال؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التصور‭ ‬بين‭ ‬الإغبو‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الهوسا‭ ‬فولاني‭ ‬وكانوري‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬يستهدفون‭ ‬جماعة‭ ‬إغبو‭ ‬العرقية‭ -‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬المنهجي‭.‬

وردا‭ ‬على‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬أعطت‭ ‬جماعة‭ ‬الإغبو،‭ ‬أوغبونيغو‭ ‬نديجبو،‭ ‬جميع‭ ‬المسلمين‭ ‬الشماليين‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬أسبوعين‭ ‬للمغادرة‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬الموت‭. ‬وفي‭ ‬لوكبانتا،‭ ‬أخذت‭ ‬جماعة‭ ‬مسلمي‭ ‬الهوسا،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬بين‭ ‬الإغبو‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬التحذير‭ ‬بجدية‭ ‬وغادرت‭ ‬المنطقة‭ ‬مستخدمةً‭ ‬الشاحنات‭.‬

هذا‭ ‬التصور‭ ‬يحظى‭ ‬بمصداقية‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كورين‭ ‬دوفكا،‭ ‬وهي‭ ‬باحثة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا‭. ‬فبعد‭ ‬إجراء‭ ‬بحث‭ ‬موسع‭ ‬حول‭ ‬ضحايا‭ ‬العنف‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬بوكو‭ ‬حرام،‭ ‬تعتقد‭ ‬دوفكا‭ ‬أن‭ ‬بوكو‭ ‬حرام‭ ‬تقتل‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬نيجيريا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬دينهم‭ ‬واصلهم‭ ‬العرقي‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬استجابة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الحل‭ ‬العسكري‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬السلام‭ ‬المستدام‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬نيجيريا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬أيضا‭ ‬معالجة‭ ‬المتغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬الأساسية‭ -‬الاقتصاد‭ ‬والحوكمة‭ ‬والهوية‭. ‬وعلى‭ ‬نفس‭ ‬المنوال،‭ ‬فإن‭ ‬مكافحة‭ ‬فكر‭ ‬التطرف‭ ‬العنيف‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬الدعم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬حل‭ ‬قضايا‭ ‬الفقر‭ ‬والفساد‭ ‬والقومية‭ ‬العرقية‭ ‬الفاشلة‭.

د‭. ‬حسين‭ ‬سليمان‭ ‬كبير‭ ‬الاساتذة‭ ‬في‭ ‬قسم الدراسات‭ ‬السياسية‭ ‬و‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الدولة‭ ‬الحرة،‭ ‬جمهورية‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا

(0)(0)